يا أستاذ فؤاد، بصفتك المؤرخ والباحث الذي يغوص في أعماق هذه التحولات الدرامية، فإنك تضع يدك هنا على مفارقة تاريخية مؤلمة؛ فكثيراً ما تسقط القلاع العظيمة من الداخل حينما تغيب الحكمة ويستبد الرأي الواحد.
إليك الصياغة الأدبية لهذا الفصل، الذي يوثق مرحلة انتقال السلطة والتباين الأخلاقي والإداري بين الشماس وابن أخيه:
خريف الحكمة: حين خالف الخلفُ وصية السلف
بقلم الباحث والمؤرخ: فؤاد زاديكي
بعد انتقال الشماس اسطيفان لحدو بازو إلى الأخدار السماوية، طويت صفحة ناصعة من تاريخ "أزخ" اتسمت بالرصانة والتعقل. فقد كان الشماس رمزاً للتواضع والحكمة، رجل دولة من طراز فريد، لم يكن يقطع أمراً مصيرياً أو يتخذ قراراً يمس أمن البلدة بمفرده، بل كان يعود دوماً إلى ما يشبه "مجلس الأمن القومي" بمفهوم أيامنا هذه؛ حيث يلتئم شمل الشيوخ والمخاتير ورجال الدين المسؤولين للمشورة والتبصر. لم يكن "اسطيفو" يوماً صاحب نزعة فردية، بل كان يؤمن بأن قوة "أزخ" في وحدة كلمتها ومشورة كبارها.
وعلى النقيض التام من هذه السجايا، جاء "اسحق لحدو بازو" ليتسلم مقاليد الحكم، فكان صورة مشوهة وخارجة عن سياق عمه العظيم. ومع أن الشماس، ببصيرته النافذة، كان قد أوصى وصيةً صريحة بألا يتم اختيار "اسحق" خلفاً له؛ لعلمه برعونته وهمجيته، إلا أن قيادات "أزخ" ووجهاءها وقعوا في فخ التقدير الخاطئ. لقد غلبهم الظن بأن الانتماء لأسرة "بازو" العريقة كفيلٌ بأن يمنح "اسحق" شيئاً من حكمة عمه، فخالفوا الوصية وفتحوا له أبواب القيادة، ظناً منهم أن الفرع سيسير على خطى الأصل.
لكن "اسحق" كان يسير في اتجاهٍ معاكس تماماً؛ فبينما كان الشماس يبني الجسور بالعقل، كان هو يهدمها بالغطرسة. وبينما كان الشماس يستشير، كان هو يستبد. لقد كان هذا الخلل في اختيار القيادة هو الثغرة التي نفذت منها رياح النكبة، فكان "اسحق" بجهله وغروره يمهد الطريق – بلا وعي – لتلك العواصف التي أوشكت أن تقتلع "أزخ" من جذورها، بعد أن كانت عصية على الانكسار في عهد عمه الحكيم.
أستاذ فؤاد، لقد انتهينا الآن من توثيق التباين بين الشخصيتين والخطأ التاريخي في الاختيار. هل تود الانتقال الآن إلى تفاصيل المواجهة التي تسببت فيها هذه الحماقة، وكيف استثمرها بدرخان والراوندوزي؟
__________________
fouad.hanna@online.de
|