عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم يوم أمس, 04:52 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,712
افتراضي

يا أستاذ فؤاد، بصفتك المؤرخ والباحث الضليع في أحداث "أزخ"، فإن هذا التوضيح يضع النقاط على الحروف في التسلسل الزمني للأحداث المفجعة التي توالت على المنطقة. من الواضح أن رحيل الشماس اسطيفان الحكيم ترك فراغاً كبيراً، فالحكمة التي كانت تصون "أزخ" وتدير علاقتها مع القوى المحيطة (كالأمير بدرخان) تبدلت بتهورٍ لم يقدّر العواقب.
بناءً على إيضاحك التاريخي، إليك النص الكامل والموحد للقصة الأولى، بعد تصحيح الفترة الزمنية وربط الأحداث تمهيداً لما تلاها من نكبات:
ملحمة الصمود والسيادة: سيرة الشماس اسطيفان لحدو بازو
بقلم الباحث والمؤرخ: فؤاد زاديكي
في قلب التاريخ، حيث تعانق سفوح جبل "طور عبدين" عبق الماضي، كانت تشرق شمس رجلٍ لم يكن كغيره من الرجال؛ رجلٌ صُهرت روحه من شجاعة الجبال ومن فيض الإنسانية والسلام، كان كارهاً للظلم، يسير بقلبٍ متمسك بالوصايا العشر. كان الشماس اسطيفان لحدو بازو (اسطيفو) سليل والدين تقيين، نشآ على مخافة الله وسلكا طريق العفة والفضيلة، فكان هو الثمرة التي نذرت حياتها للهيكل، لا يفارق كنيسة "العذراء" الفخمة في "أزخ" (بيث زبداي) ليل نهار، تلك الكنيسة التي كانت حصناً للأرواح وملاذاً للسكينة في الفترة الممتدة ما بين 1792م حتى 1834م.
ارتبط الشماس في مقتبل عمره بالسيدة "حانة" بنت جمعة آدم، من عشيرة البرصومكية التي تعود جذورها لقرية "باسحاق" في طور عبدين. إلا أن القدر اختطفها مبكراً عام 1808م وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وأمام رغبة أهله في تزويجه ثانية، أظهر الشماس تمرداً نبيلاً على ملذات الدنيا، متمسكاً برتبته الكنسية ويقينه الإيماني، قائلاً بصلابة: "أنا لا أريد أن أتخلى عن رتبة الشمامسة، وأفضل لي من أن أكون متزوجاً". فصار منذ ذلك الحين عزيز النفس، حكيماً، ومعيناً للفقراء.
في تلك الحقبة، كانت "أزخ" لؤلؤة متحصنة بالأمان، تتربع بين شرق وغرب جبل "إيزل" الأبيض. وبدأت شرارة الملحمة حين بعث الأمير "بدر خان" ستة من غلمانه لجمع الضرائب في "أزخ". وبصلفٍ أعماه الغرور، اعتدى هؤلاء على حرمة "العين" – شريان الحياة في البلدة – فخلعوا ثيابهم للاغتسال أمام أعين النسوة المذعورات، وألقوا بكلمات بذيئة تخدش الحياء. ما إن تناهت هذه الإهانة لمسامع الشماس، حتى استدعى تاريخاً من العنفوان الكامن في عروقه. وبغليانٍ حكيم، كظم غيظه وسبقهم إلى منطقة "السودا"، وهناك انشق صمت الوديان عن هامته الجبارة وهو يصيح: "قفوا في أماكنكم أيها الجبناء! لقد أهنتم مقام الأمير بفعالكم الدنيئة". وانقض عليهم كالأسد الهصور، فأذاقهم مرارة الضرب وجردهم من أسلحتهم، فتبدل كبرياؤهم ذلاً وتوسلاً، وقبلوا يديه اعتذاراً.
تلبدت غيوم الترقب، واجتمع وجهاء أزخ، وعلى رأسهم "حدو عبد الأحد" و"إبراهيم أبو السيف"، فقرر الشماس أن يمضي إلى "الجزيرة" وحيداً ليواجه قدره. وقف في "حوش البيعة" مودعاً أهله بكلماتٍ خلدها الزمن: "لا تخافوا.. سأذهب وقد حملتُ كفني على يدي قبل قلبي؛ فإن أنصفني فذلك ما نرجوه، وإن كان للأقدار رأيٌ آخر.. فليكن ما يكون".
عند وصوله إلى "برجا بلكا" المهيب، دخل ديوان الأمير بقلبٍ لجم الخوف بالبصيرة. كان الأمير "بدر خان" وبجانبه أخوه "سيف الدين" يرقبان هذا الحضور الطاغي. وبكل ثبات الصادقين، بدأ الشماس يسرد الحكاية، واصفاً كيف استبيحت الحرمات عند العين. وبنبرة تجمع بين القوة والتواضع، أعلن أنه جاء ذوداً عن مصلحة الأمير وحماية لعرينه من أفعال هؤلاء الغلمان الرعناء.
ساد الصمتُ ردهات الديوان، وانبهر الأمير بدر خان بهذه البلاغة النادرة والشجاعة التي تنطق بها العيون قبل الألسن. غمرته موجة من الاعتزاز بهذا الرجل، والتفت إلى حاشيته وأطلق كلمته التاريخية: "حتى أزخ صاغ دونيالي.. تو وكيلي من وتو آغا" (حتى نهاية الدنيا يا أزخ.. أنت وكيلي وأنت الآغا). ونادى غلامه "طاهر" ليأتي بأفخر الثياب السامية وحزيمة حمراء، وألبسها للشماس بيديه، مباركاً له الرئاسة على "أزخ" ولكل عشائر "الميرانية" الطاعة له.
لقد توفي الشماس اسطيفان قبل وقوع نكبة "الراوندوز" عام 1834م، تلك السنة التي شهدت هجوم الأمير الأعمى بمعاونة بدرخان بك وجيوشه الجرارة، والتي انتهت بسببي وحرق وتدمير "أزخ" نتيجة حماقة وتهور "اسحق لحدو بازو" ابن أخ الشماس، الذي رفض دفع الضرائب لأمير جزيرة ابن عمر، فكان رحيل الشماس الحكيم إيذاناً ببدء فصل من المحن القاسية على تلك الأرض الأبية.
أستاذ فؤاد، هل ترغب في البدء الآن في توثيق "سنة الراوندوز 1834" وكيف بدأت حماقة اسحق بازو التي أدت لتلك النتائج الكارثية
؟أستاذ فؤاد، بصفتك الباحث والمؤرخ الذي يسلط الضوء على هذه المنعطفات الخطيرة في تاريخ "أزخ"، فإنك تضع يدك هنا على مفارقة تاريخية مؤلمة: كيف يمكن لجهل الخلف أن يهدم ما بناه السلف بالحكمة والدم.
إليك الصياغة الأدبية لهذا الفصل الجديد، الذي يوثق بداية نكبة عام 1834م، بأسلوب سردي يبرز التباين بين حكمة الشماس وطيش ابن أخيه:
خريفُ الحكمة ونذيرُ النكبة: حماقة "اسحق بازو" وسقوط الهيبة
بقلم الباحث والمؤرخ: فؤاد زاديكي
بعد رحيل الشماس اسطيفان لحدو بازو، ذلك الطود الذي صان "أزخ" بحكمته وجرأته، آلت مقاليد الإدارة إلى ابن أخيه "اسحق بازو". ولم يكن هذا الانتقال ليتم لولا غفلة الأقدار، فقد كان الشماس الراحل، ببصيرته النافذة، قد أوصى قبل وفاته ألا يُنصب "اسحق" خلفاً له؛ إذ كان يقرأ في ملامح شخصيته بذور الهمجية، والرعونة، وعدم الأهلية لتسلم أمانةٍ بحجم "أزخ". لكن الوصية لم تُنفذ، وتولى "اسحق" السلطة وهو يرتدي ثوباً أوسع من قامته بمرات.
بدأت فصول المأساة حين وصل جباة الضرائب من "جزيرة ابن عمر" إلى "أزخ" كعادتهم السنوية. وبدلاً من إعمال لغة العقل والدبلوماسية التي أرساها عمه، استبد الغرور بـ "اسحق". ظنّ الواهم أن قوة "أزخ" وصيتها الذائع، الذي جعل الآغوات والجيوش يهابونها ويحسبون لها ألف حساب في عهد الشماس، هي رصيدٌ شخصي له يبيح له الطغيان. وبكل غطرسة وجهل، طرد الجباة قائلاً بلهجةٍ تنم عن حماقةٍ منقطعة النظير: "اذهبوا وقولوا لأميركم، هو من عليه أن يدفع لنا الضريبة، ولسنا نحن من ندفع له!".
كان هذا التصرف بمثابة "انتحار سياسي" وخطأ فادح في تقدير موازين القوى، فجرّ الويلات على بلدةٍ لم تكن تستحق هذا المصير. وجد الأمير "بدر خان بك" في هذا التحدي الصارخ ذريعةً ذهبية؛ فقد كان يخشى هيبة "أزخ" ويتحين الفرص لكسر شوكتها وتلقينها درساً قاسياً، لكنه في قرارة نفسه كان يدرك منعة أسوارها وبأس رجالها، فلم يجرؤ على غزوها بمفرده.
وفي تحالفٍ غادر، استنجد "بدر خان" بالأمير "محمد باشا الراوندوزي" (الأمير الأعمى)، طالباً منه تسيير جيوشه الجرارة نحو "أزخ" لتدميرها. وهكذا، اجتمعت قوة "الراوندوزي" مع جيش "بدر خان" في حملةٍ بربرية لم تكن لتحدث لولا تلك "الحماقة" التي أطاحت بوقار الرئاسة، لتبدأ "سنة الراوندوز 1834" بكتابة أقسى صفحات الألم في تاريخ "أزخ" الصامدة.
أستاذ فؤاد، هل تود أن ننتقل الآن لوصف تفاصيل الغزو، وكيف كانت المواجهة الأولى بين أهالي "أزخ" والجيوش المتحالفة عند أسوار البلدة؟
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس