بكل اعتزاز يا أستاذ فؤاد، بصفتك المؤرخ والباحث لهذه السيرة العطرة، قمتُ بجمع كافة فصول "القصة الأولى" التي أرسلتها عبر أجزاء متفرقة، وصهرتها في نص واحد متصل وشامل، يجمع بين النشأة، والبيئة التاريخية، والمواجهة، وصولاً إلى التنصيب، دون إغفال أي تفصيل أو فكرة ذكرتها:
ملحمة الصمود والسيادة: سيرة الشماس اسطيفان لحدو بازو
بقلم الباحث والمؤرخ: فؤاد زاديكي
في قلب التاريخ، حيث تعانق سفوح جبل "طور عبدين" عبق الماضي، كانت تشرق شمس رجلٍ لم يكن كغيره من الرجال؛ رجلٌ صُهرت روحه من شجاعة الجبال ومن فيض الإنسانية والسلام، كان كارهاً للظلم، يسير بقلبٍ متمسك بالوصايا العشر. كان الشماس اسطيفان لحدو بازو (اسطيفو) سليل والدين تقيين، نشآ على مخافة الله وسلكا طريق العفة والفضيلة، فكان هو الثمرة التي نذرت حياتها للهيكل، لا يفارق كنيسة "العذراء" الفخمة في "أزخ" (بيث زبداي) ليل نهار، تلك الكنيسة التي كانت حصناً للأرواح وملاذاً للسكينة في الفترة الممتدة ما بين 1784م و1824م.
ارتبط الشماس في مقتبل عمره بالسيدة "حانة" بنت جمعة آدم، من عشيرة البرصومكية التي تعود جذورها لقرية "باسحاق" (بيت إسحق) في طور عبدين. إلا أن القدر اختطفها مبكراً عام 1808م وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وأمام رغبة أهله في تزويجه ثانية، أظهر الشماس تمرداً نبيلاً على ملذات الدنيا، متمسكاً برتبته الكنسية ويقينه الإيماني، قائلاً بصلابة: "أنا لا أريد أن أتخلى عن رتبة الشمامسة، وأفضل لي من أن أكون متزوجاً". فصار منذ ذلك الحين عزيز النفس، حكيماً، ومعيناً للفقراء.
في تلك الحقبة، وتحديداً نحو العام 1810م، كانت "أزخ" لؤلؤة متحصنة بالأمان، تتربع بين شرق وغرب جبل "إيزل" الأبيض، تحرسها من الشمال جبال "إلِم" ويغازلها "دجلة" من الجنوب. كانت المنطقة تعيش غليان ثورة الأمير "بدر خان بك" وشقيقه "سيف الدين"، سلالة "آزيزان" العريقة، في صراعٍ محموم على النفوذ والجباية. وبدأت شرارة الملحمة حين بعث الأمير ستة من غلمانه لجمع الضرائب في "أزخ". وبصلفٍ أعماه الغرور، توجه هؤلاء نحو "العين" – شريان الحياة في البلدة – حيث تجتمع النسوة والفتيات بجرارهن الفخارية. وبلا وازعٍ من خُلق، خلع الغلمان ثيابهم ليغتسلوا أمام أعين النسوة، وألقوا بكلمات بذيئة تخدش الحياء، محولين مورد الحياة إلى مبعثٍ للنجاسة والاعتداء.
ما إن تناهت هذه الإهانة لمسامع الشماس اسطيفان، حتى استدعى تاريخاً من العنفوان الكامن في عروقه. وبغليانٍ حكيم، كظم غيظه وسبقهم إلى منطقة "السودا"، وهناك انشق صمت الوديان عن هامته الجبارة وهو يصيح: "قفوا في أماكنكم أيها الجبناء! لقد أهنتم مقام الأمير بفعالكم الدنيئة". وحين سألوه بصلف: "من أنت؟"، جاء الرد كقصف الرعد: "جئتُ لأجعلكم عبرةً، فإنّي حامي شرف أزخ الذي لا تدنّسه شرذمة حقيرة". وانقض عليهم كالأسد الهصور، فأذاقهم مرارة الضرب وجردهم من أسلحتهم، فتبدل كبرياؤهم ذلاً وتوسلاً، وقبلوا يديه اعتذاراً، فأطلق سراحهم محذراً.
تلبدت غيوم الترقب في "أزخ"، واجتمع الوجهاء وعلى رأسهم "حدو عبد الأحد" و"إبراهيم أبو السيف"، فقرر الشماس أن يمضي إلى "الجزيرة" وحيداً ليواجه القدر. وقف في "حوش البيعة" مودعاً أهله بكلماتٍ خلدها الزمن: "لا تخافوا.. سأذهب لأذكر الأمير بعهود الوفاء، وبفضل أزخ التي فكت أسر زوجته يوم احتدم الوغى. سأذهب وقد حملتُ كفني على يدي قبل قلبي؛ فإن أنصفني فذلك ما نرجوه، وإن كان للأقدار رأيٌ آخر.. فليكن ما يكون".
عند وصوله إلى "برجا بلكا" المهيب، دخل ديوان الأمير بقلبٍ لجم الخوف بالبصيرة. كان الأمير "بدر خان" وبجانبه أخوه "سيف الدين" يرقبان هذا الحضور الطاغي. وبكل ثبات الصادقين، بدأ الشماس يسرد الحكاية، واصفاً كيف استبيحت الحرمات عند العين. وبنبرة تجمع بين القوة والتواضع، أعلن أنه جاء ذوداً عن مصلحة الأمير وحماية لعرينه من أفعال هؤلاء الغلمان الرعناء، مؤكداً أن مقام الأمير أسمى من أن يقبل بمثل هذه الخسة.
ساد الصمتُ ردهات الديوان، وانبهر الأمير بدر خان بهذه البلاغة النادرة والشجاعة التي تنطق بها العيون قبل الألسن. غمرته موجة من الاعتزاز بهذا الرجل، والتفت إلى حاشيته وأطلق كلمته التاريخية: "حتى أزخ صاغ دونيالي.. تو وكيلي من وتو آغا" (حتى نهاية الدنيا يا أزخ.. أنت وكيلي وأنت الآغا). ونادى غلامه "طاهر" ليأتي بأفخر الثياب السامية وحزيمة حمراء، وألبسها للشماس بيديه، مباركاً له الرئاسة على "أزخ" ولكل عشائر "الميرانية" الطاعة له.
وفي اليوم التالي، عاد الشماس إلى دياره معززاً، وكان في استقباله الأسقف "كوركيس" ووجهاء أزخ، فكانت فرحةً عظيمة لا تُقدر. إن هذا الظفر لم يكن لولا الإيمان الراسخ وحكمة رجال أزخ الذين أثبتوا أن العقل والتعقل هما القوة الحقيقية وراء كل نصر، ليكون هذا الفصل هو أول الانتصارات في تاريخٍ حافل بالبطولة.
أستاذ فؤاد، هذا هو النص الكامل والموحد لكل ما ورد في الأقسام السابقة. هل ترغب في البدء بالقصة الثانية الآن؟
__________________
fouad.hanna@online.de
|