عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم يوم أمس, 03:42 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,712
افتراضي

القسم الثالث

أهلاً بك يا أستاذ فؤاد. بصفتك مؤرخاً وباحثاً يوثق تاريخ آزخ، فقد أعدت صياغة هذا الموقف التاريخي بأسلوب روائي يجمع بين الهيبة الدرامية والعمق الإنساني، مع الحفاظ على الأمانة التاريخية للنص الأصلي:
صدى الصرخة في ديوان الأمير
كانت الأجواء في ديوان الأمير بدرخان مشحونة بهيبة السلطة، حين تقدم الشماس بخطى ثابتة، يحمل في جوفه صبراً عتيقاً كجبال آزخ،٧ق وفي يده رسالة مخضبة بآمال الرعية وتوقيع الأسقف لوكاس. سلمها بيدٍ ترتجفُ وقاراً لا خوفاً، قائلاً في نفسه: "إن لم يُسمع صوتي اليوم، فقد جئتُ أحمل كفني تحت رداء الكهنوت".
اتكأ الأمير ورجاله، ومن بينهم رأفة وسيف الدين، يقلبون أعينهم في سطور الرسالة التي كشفت عن وجهٍ آخر للمأساة. كان شمعون الأحمديني قد زرع بذور شكواه مسبقاً في ردهات الديوان، فاستدعى الأميرُ الشماسَ، وأذن له بكسر قيد الصمت، قائلاً: "تحدث إلينا بصراحة، فالحرية ميزان هذا المجلس".
تنفس الشماس بعمق، وبدأ يسرد الحكاية التي أدمت قلوب أهل آزخ:
"يا أميري، لنا في قريتنا عينُ ماءٍ وحيدة، هي نبضُ الحياة وشريان البقاء. إليها تقصدُ النسوة في كل فجر، ينحدرن عبر درجاتها العميقة بصبرٍ يحملن فيه جرار القلق بانتظار دورهن. تلك العين لم تكن مجرد بئر، بل كانت خِدراً للوقار وملاذاً للستر.
لكن، وفي غفلة من المروءة، اقتحم غلمانك ذلك السكون، ونزلوا إلى جوف العين ضاربين عرض الحائط بكل الأعراف والشرائع التي تعارفت عليها الإنسانية. لم يكتفوا بالتدنيس، بل صبّوا على مسامع الحرائر كلمات بذيئة تخدش الحياء، واغتسلوا في مائها الذي تشرب منه البيوت، فحولوا مورد الحياة إلى مبعثٍ للنجاسة.
والأنكى من ذلك يا أميري، أنهم راموا الفحشاء في قلب الطهر، وفي وضح النهار، بوسط مناظر مقززة لا تقبلها نفسٌ أبية. هناك، تشتتت النسوة، وفررن بجرارهن الخاوية، يسبقهن الخوف من الفضيحة إلى بيوت تضجُّ بالكرامة. وكيف للمرأة أن تخفي جرحاً أصاب شرف القرية بأكملها؟ لقد عمت الغصة كل بيت، وأدركنا أن ما فعله هؤلاء الغلمان لم يكن مجرد طيش، بل كان انتهاكاً صارخاً للأدب، واعتداءً سافراً على حرماتٍ لا تُستباح."
سكت الشماس، وبقي صدى كلماته يتردد في أركان الديوان، بانتظار عدلٍ ينصفُ "آزخ" ويغسلُ ما علق بماء عينها من كدر.
أستاذ فؤاد، هل تود مني إضافة لمسات شعرية معينة على هذه الرواية، أو التركيز على جانب تاريخي محدد لتضمينه في أبحاثك؟

بكل سرور. بصفتك باحثاً ومؤرخاً، أدرك أنك تبحث عن إحياء هذه اللحظة التاريخية المفصلية بنوع من "الأنسنة" والسرد الذي يجسد هيبة المواقف.
إليك صياغة أدبية موسعة، تحول المحضر التاريخي إلى مشهد روائي نابض:
فارس الكلمة في حضرة الأمير
خيم صمتٌ ثقيلٌ على ردهات القصر، تقطعه أنفاسٌ لاهثة لرجالٍ ألهبت الحماسةُ صدورهم، وأعمت البصيرةَ عيونهم. كان الموقف يتأرجح على حد السيف؛ فبين فوضى الجموح ووقار السلطة، كان ثمّة خيط رفيع من الكرامة يوشك أن ينقطع. وفي تلك اللحظة الحرجة، حين كاد الغضب أن يطغى على الحكمة، انبرى الشماس اسطيفان كطودٍ شامخ، يواجه الطوفان بقلبٍ ثابت ويقينٍ لا يتزعزع.
لم يكن تدخله مجرد محاولة لتهدئة النفوس، بل كان مناورةً ذكية لامتصاص ذلك الحماس المتفجر وتدجين الأرواح الجامحة. وقف بينهم كالمنارة وسط لُجّة هائجة، وقد قطع على نفسه عهداً غليظاً أمام الله وأمام ضميره: أن يعيد الأمور إلى نصابها، ويصيغ صلحاً يحفظ للحق أهله، دون أن يخدش—ولو بذرة من غبار—كبرياء الأمير أو ينال من هيبته التي تملأ الآفاق.
تحدث الشماس، فكان لصوته صدى الرعد في الفلاة، قائلاً:
«لقد غلبتني نفسي، وقهرتني إرادتي حين رأيتكم تحيدون عن درب الصواب، فوجدتني مجبراً أن أعترض طريقكم، لا بصلف القوي، بل برجولة الحق. أوقفوا هذا العبث! إن ما تقترفونه اليوم ليس إلا إهانةً لشرف الأمير، وأنتم في جهلكم لا تدركون أن هذا الأمير هو لنا كالكعبة المشرفة، وبيتٌ آمنٌ تجتمع تحت سقفه سائر العشائر على اختلاف مشاربها.»
ومضى ينسج من الكلمات دروعاً، مؤكداً أن مقام الأمير أسمى من أن يقبل بمثل هذه الأفعال الرعناء، فهو الذي لا يفرّق بين رعيته، بل يبسط رداء العدل والمساواة على الجميع بلا استثناء. وبنبرةٍ تجمع بين القوة والتواضع، أعلن أنه قد جاء مستعداً، يحمل السلاح لغلمانه، وحاملاً معه عزم رجال أزخ الأشاوس، لا رغبةً في القتال، بل ذوداً عن مصلحة الأمير وحمايةً لعرينه.
ختم الشماس قوله بروح الجندي الوفي:
«ما فعلتُ هذا إلا إخلاصاً، وأملي أن يشملني عطفكم وتؤازرني معونتكم. أمنيتي الوحيدة هي أن أقف سداً منيعاً في خدمتكم، أردّ عنكم كيد الكائدين وأذى الماكرين، وها أنذا أضع روحي وقلمي وسيفي بين أياديكم، طوع أمركم.»
ساد المكان صمتٌ من نوع آخر.. صمت الإعجاب والذهول. كان الأمير بدرخان بك يصغي، وعيناه تبرقان بتقديرٍ لم يعهده من قبل. اهتزت مشاعر الأمير لهذه البلاغة النادرة والشجاعة التي تنطق بها العيون قبل الألسن. غمرته موجة من الفرح والاعتزاز بهذا الرجل الذي جمع بين حكمة الشيوخ وفروسية الشباب.
التفت الأمير إلى حاشيته، وبصوتٍ يملؤه الفخر، أطلق كلمته التاريخية التي خلدتها الأيام:
«حتى أزخ صاغ دونيالي.. تو وكيلي من وتو آغا» (حتى نهاية الدنيا يا أزخ.. أنت وكيلي وأنت الآغا).
هل تود مني التركيز أكثر على وصف البيئة المحيطة (القصر، ملامح الحاضرين) لزيادة الطابع الروائي، أم نكتفي بهذا القدر من السرد التاريخي؟
بكل سرور. بصفتك مؤرخاً وباحثاً يسعى لتوثيق هذه اللحظات المفصلية في تاريخ "أزخ"، أعدتُ صياغة هذا المشهد بأسلوب أدبي يجمع بين رصانة السرد التاريخي وعمق التصوير الوجداني، ليليق بقلمك:
فجرُ الرئاسة: حين توجت الحكمةُ سيفَ العزيمة
في تلك اللحظة التاريخية التي امتزج فيها الوفاءُ بعهد الرجال، نطق الأمير بكلماتٍ خلدها الزمن، كلماتٍ كانت تحمل في طياتها عهدًا وثيقًا، حيث قال بلسانٍ كرديٍّ مبين: "ما دمتُ في هذه الدنيا حيّاً أرزق، فأنت وكيلي والآغا المطاع على عموم 'أزخ'، ولك في رقاب عشائر 'الميرانية' الطاعة العمياء والولاء التام."
ولم يكتفِ الأمير بالقول، بل أراد أن يجعل من هذا التنصيب مشهدًا مهيبًا تحكيه الأجيال؛ فنادى غلامه "طاهر" بصوتٍ ملؤه الهيبة: "يا طاهر، ائتِ للشماس اسطيفان بأفخر الثياب السامية وحزيمةٍ حمراء قانية كالدم." وما هي إلا لحظات حتى كانت الخلعةُ بين يدي الأمير، فنهض بوقاره المعهود وألبس الشماس "اسطيفان ليدو بازو" تلك الثياب بيديه الكريمتين أمام حشدٍ من الأعيان والوجهاء. كانت لمسات الأمير وهو يربتُ على كتف الشماس بمثابة مباركةٍ تاريخية، مهنئًا إياه بهذه الرئاسة، وداعياً لجميع عشائر "أزخ" والميرانيين بالرفعة واليمن والبركات.
كان ذلك اليوم هو الغرس الأول في بستان زعامة الشماس اسطيفان. وفي صبيحة اليوم التالي، غادر الشماس مجلس الأمير مُحاطاً بكل آيات التقدير والتكريم، يمم وجهه شطر "أزخ" الأبية. وحينما أرخى الليل سدوله ووصل إلى دياره، كان في استقباله الأسقف "كوركيس" ووجهاء "أزخ" الستة، وعلى رأسهم الوجيه "الأسفي فارس". سادت في تلك الليلة فرحةٌ غامرة لا تصفها الحروف، وتبادل الجميع التهاني بهذا النصر الذي لم يكن نصراً لشخصٍ بعينه، بل كان تاجاً وُضع على رأس "أزخ" قاطبة.
إن المتأمل في هذه الحادثة يدرك يقيناً أنها لم تكن وليدة صدفة، بل كانت ثمرةً يانعة لرجاحة عقل وجهاء "أزخ" وحكمتهم التي فاقت كل وصف. إن الإيمان الصادق والمحنة التي صهرت النفوس جعلت من هذا الثبات جداراً منيعاً تحطمت عليه الصعاب. لقد أثبت التاريخ في ذلك الموقف أن الحكمة هي جوهر القوة الحقيقية، وأن العقل والتعقل هما القائدان الخفيان اللذان صنعا ذلك الانتصار العظيم، ليكون فاتحةً لعهدٍ جديد من المجد والانتصارات.
الباحث والمؤرخ الأستاذ فؤاد زادي، هل ترغب في إضافة أي تفاصيل أخرى عن هذه الشخصيات التاريخية لإثراء السرد بشكل أكبر؟
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس