اً القسم الثاني
رحلة الكفن والكرامة: الشماس في مواجهة الأمير
تلبدت غيوم الترقب فوق "آزخ"، واجتمعت القلوب في مجلسٍ لم يكن كغيره من المجالس. كان الصمت ثقيلاً لا يقطعه إلا وقع الخطوات الواثقة؛ فقد اكتمل النصاب بحضور وجهاء القوم، وعلى رأسهم حدو عبد الأحد (عبد الله)، سليل بيت "آل حبيب" العريق، وإلى جانبه إبراهيم عبد المسيح، الرجل الذي لم تكن كنيته "أبو السيف" مجرد لقب، بل كانت صدىً لصلابته وبأسه. وفي زاوية المجلس، وقف "فارس"، ذلك التابع المخلص الذي شهد فصول الواقعة، يترقب ما ستؤول إليه الأمور.
اعتلى الشماس صدر المجلس، وبصوتٍ يجمع بين الحكمة والإصرار، بدأ يبسط أمامهم تفاصيل ما جرى. لم يترك شاردة ولا واردة عن ذلك الصدام مع الغلمان إلا وذكرها، شارحاً بوعيِ القائد العواقب التي قد تترتب على "تأديبهم"، فالحقُّ مرّ، والكرامةُ لها أثمانٌ باهظة. وبعد تداولٍ هادئ عكس رزانة الرجال، استقر الرأي: سيمضي الشماس بنفسه إلى "الجزيرة" ليواجه القدر، ليس كمتهم، بل كصاحب حق.
لم تكن الرحلة ارتجالية، بل رُسمت بذكاء المحنك؛ فحمل الشماس رسالةً ممهورةً بتوقيع الأسقف لوركيس الآزخي، ومزينةً بأسماء وجهاء "آزخ"، لتكون شاهدةً على أن ما حدث لم يكن تمرداً، بل إحقاقاً للعدل. وقبل أن يطأ ركابه الطريق، فضلوا إحاطة "آغات العمارية" في قرية "عميرين" علماً بالتطورات، ففي تلك الأزمان، كان "التحوط" هو درع النجاة.
في صباح اليوم الموعود، وفي "حوش البيعة" حيث تتمازج رائحة البخور بعبق التاريخ، اجتمع الشماس بمن بقي من الرفاق. كانت الوجوه واجمة، والقلق يقرع الصدور، لكن الشماس انتصب كطودٍ شامخ، وقال كلماته التي سارت بها الركبان:
> "لا تخافوا.. سأذهب إلى الأمير بدرخان بنفسي، ليس لاستجداء العفو، بل لأذكره بعهود الوفاء. سأحدثه عن فضل آزخ التي وقفت كالسد المنيع بجانبه حين تخلى الكثيرون، وسأذكره بيومِ فككنا أسر زوجته من يد أهل 'شرناخ' حين احتدم الوغى."
>
ثم أردف بيقين المؤمن وثبات الشجعان:
> "سأذهب، وقد حملتُ كفني على يدي قبل قلبي. سأشرح للأمير حقيقة ما جرى بيني وبين غلمانه؛ فإن أنصفني ورأى في براءتي نور الحقيقة، فذلك ما نرجوه، وإن كان للأقدار رأيٌ آخر.. فليكن ما يكون."
>
استجمع الشماس اسطيفو أنفاسه، ونظر إلى الوجوه المحتشدة حوله نظرةً يملؤها اليقين، ثم أطلق كلماته التي وقعت في القلوب كوقع الرعد: «سأمضي إلى قدري ببالٍ هانئ ونفسٍ مطمئنة، فقد نذرتُ روحي ألا تستكين لضيم، وألا تبيتَ على إهانةٍ تمسُّ كرامتي أو كرامة أهلي. إن كُتبت لي الحياة في هذه الساعة، فأنتم من ذمّتها براء، وإن كان في الغيب شأنٌ آخر، فإن عين الله لا تنام، وهي كفيلةٌ بحفظي وخلاصي».
ودّع أهل "آزخ" والدموع تترقرق في المآقي، وانطلق نحو "الجزيرة" يطوي الأرض طياً، لا يحمل في جعبته سوى ثوبٍ من الخام، وتلك الأسلحة التي انتزعها من الغلمان في ساعة عزةٍ وغضب، ليردَّ الحق إلى نصابه.
وعندما لاحت له أسوار "برجا بلكا" —البرج الأبيض المهيب— لم يتردد. سار نحو عرين الأمير بخطى وئيدة وقور، وسلّم الأسلحة للحراس عند الأبواب، ثم استأذن الدخول بقلبٍ لجمَ الخوفَ بالبصيرة؛ فقد كان قد تصالح مع فكرة الموت قبل أن تطأ قدماه عتبة الجزيرة، ومن تصالح مع الموت، خضعت له هيبة الحياة.
دخل الشماس ديوان الأمير، فإذا بالمكان يغصُّ بالهيبة، وبجانب الأمير يجلس أخوه الأمير سيف الدين. توقف الشماس في صدر المجلس، فكانت وقفته مزيجاً من شموخ الجبال وتواضع العلماء، فأدى التحية بما يليق بمقام الأمير، في مشهدٍ أسرَ الحاضرين.
برقت عينا الأمير إعجاباً بهذا الحضور الطاغي، وسأله بلهجةٍ امتزج فيها الفضول بالصرامة: «مَن أنت أيها الشجاع الذي يقتحم ديواننا بقلبٍ لا يرتجف؟».
أجابه بصوتٍ هادئ الرنين: «أنا الشماس اسطيفو».
هنا، تبدلت ملامح الأمير، واستحضر هيبة السلطان قائلاً: «أأنت الذي تجرأت على غلماني ضرباً؟ أأنت من انتزع سلاحهم وكسر كبرياءهم وناموسهم؟ ألا تدرك أن الإساءة لمن يتبعنا هي طعنةٌ في خاصرة هيبتنا؟».
بكل ثبات الصادقين، رد الشماس: «نعم أيها الأمير، أنا هو. ولكن، حاشا لله أن يكون في نيتي سوءٌ لمقامكم، أو قصدٌ لإهانتكم. إنما جئتُ اليوم ألتمس العفو والصفح، وأرجو من عدلكم أن تمنحوني حق البيان، فإذا أذنتم لي بالحديث، وضعتُ بين أيديكم الحقائق كما هي، لا كما نُقلت إليكم».
يتبع..
__________________
fouad.hanna@online.de
|