عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم يوم أمس, 02:09 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 48,712
افتراضي الشماس اسطيفان الآزخي. بقلم فؤاد زاديكي

الشمّاس اسطيفان الآزخي

فؤاد زاديكي

القصة الأولى من سيرة حياة الشماس اسطيفان لحدو بازو
​وهذه أول قصة من قصص الشماس اسطيفان القائد الرّوحي لآزخ أي بلدة بيث زبداي ولمحة عن تاريخها في زمن الشماس اسطيفان من ١٧٨٤م حتى ١٨٢٤م.

​كان الشماس اسطيفان من والدين تقيّين حسب وصايا الله، سالِكَين طريق العفّة والفضيلة، ولهذا ارتقى إلى درجة شماس إنجيلي وكان لا يترك الكنيسة ليل نهار. وامرأته كانت بَنت جمعة آدم (١) لكنّها لم تدم طويلاً إذ فارقت الحياة وكان الشماس اسطيفان (اسطيفو) في ذلك الحين له من العمر (٢٥) سنة. وأخيرًا كانت رغبة من أهله الذين طلبوا منه أن يتزوّج ثانية لكنّه رفض ذلك وقال الشماس: "أنا لا أريد أن أتخلّى عن رتبة الشمامسة وأفضل لي من أن أكون متزوجًا". كان شائعًا في عرف الكنيسة السريانية أنّه حين تتوفّى زوجة شمّاس إنجيلي، لا يحقّ له الزواج ثانيةً، وإذا صدف وتزوّج، فهو سيخسر رتبة الشماس الإنجيلي وجدي (حنا الياس) المعروف باسم حنّوشكِى هو الآخر تعرّض لمثل هذه الحالة، حين توفّيت زوجته الاولى وكانت من بيت (لحدو بَشيرو)، لم تسمح له الكنيسة بأن يتزوّج ثانيةً، لكنّه تجاوز هذا العرف ولم يلتزم به، حين تزوّج من (مارتو توما) اخت الزعيم الآزخي المعروف گبرو توما (جدّ الخوري شكري توما كاهن كنيسة مار جرجس في حلب). رغم هذا فإنّ الشمّاس (اسطيفان) قد تمرّد على ملذّات الدنيا، ولكونه لم يكن يعرف الاستسلام إلّا لإرادة الله وحدها عزّ وجلّ.
​وهذا الذي كتبناه عن حياة الشماس حتى وفاة زوجته والقليل منه نقلاً عن كتّاب مستشرقين وأكثرها عبر لسان أحفاد الذين عاشوا مع الشماس وعاصروه، كانت امرأته قد توفيت ١٨٠٨م. ومن صفات الشماس أنّه كان عزيز النفس ومتحليًا بالأخلاق واليقين ومعينًا للفقراء.
​(الهوامش في أسفل الصفحة):
(١) حنّة آدم هو جدي من والدتي وقد سُمّيت والدتي حانة باسم حانة زوجة الشماس بناءً على رغبة وطلب ابيها (قرياقس صليبا يونو جمعة آدم).
(٢) ١٩٤٠ مخطوط للمطران يوحنا دولباني

آزخ: صمود الجبال وحكاية المجد
​في قلب التاريخ، حيث تعانق سفوح جبل "طور عبدين" عبق الماضي، كانت تشرق شمس رجل لم يكن كغيره من الرجال، رجلٌ صُهرت روحه من شجاعة الجبال ومن فيض الإنسانية والسلام. كان كارهاً للظلم، يسير بقلبٍ متمسك بالوصايا العشر، وكأنّها نبراسه الذي لا ينطفئ. لم يكتفِ بحمل الإيمان في قلبه، بل كان صوتًا مسيحيًا صدّاحاً، يُبشر في قرى "آزخ" ويستمد وقاره من كنيستها "العذراء" الفخمة، تلك الكنيسة التي لم تكن مجرد بناء، بل كانت حصنًا للأرواح وملاذًا للسكينة.
​في ذلك الزمان، وتحديدًا في العام ١٨١٠ ميلادية، كانت "آزخ" لؤلؤةً متحصنة بالأمان، تتربع بزهوٍ بين شرق الجبل الأبيض وغربه، ذلك الجبل الذي عُرف بـ "إيزل". كانت البلدة تنظر نحو الجنوب لترى نهر دجلة على بعد عشرة كيلومترات، وتتطلع شمالاً نحو جبل "العلم" إلِم بالكردي وهي مزار، وكأنّها حرّاسة التاريخ في تلك البقعة الجغرافية المهيبة.
​في تلك الحقبة، كانت "إمارة البهتان" تشهد غليان ثورة "بدر خان". كان الحكم حينها بيد أمراءٍ خمسة نصبتهم الدولة العثمانية، وبرز من بينهم سليل الأسرة العريقة الأمير "بدر خان بك" وشقيقه "سيف الدين بك". كان "بدر خان" شخصيةً استثنائية، فقد جمع بين السلطة والنسب، بصفته صهراً للسلطان العثماني، ومن هنا نال أبناؤه لقب "العزيزية" فخراً بانتسابهم لبيت السلطنة.
​لكن السلطة في ذلك الزمان كانت محفوفة بالنار؛ فكانت مهمة الأمير جباية الأموال بالقوة لإرسالها إلى خزائن الآستانة في إسطنبول. وسط هذا الضجيج العسكري، كانت طبول الحرب تُقرع بين الأمراء الأكراد من جهة، والآشوريين والكلدانيين والأرمن والسريان من جهة أخرى. وفي صفحات تلك المعارك، سطّر الآشوريون ملاحم من القوة، فكانوا يذيقون جيوش الأمراء مرارة الهزيمة في معظم الميادين. ولولا تلك المدد العثمانية والتحالفات التي نسجها الأمير الشاب "بدر خان" (المولود عام ١٨٠٢م) مع أمير الرواندوز "مير كور"، لربما تبخر الحلم الكردي في مهد "آزيزان"؛ تلك الأسرة التي تعود جذورها إلى الجد الأعلى "عبد العزيز بن سليمان بن خالد"، مؤسس هذا الحكم وضابط إيقاع تاريخه.
​هكذا كانت "آزخ" وأمراؤها، صراعٌ على البقاء، وإيمانٌ يتحدّى الريح، وتاريخٌ لا يزال يهمس بأسماء رجاله عبر الزمان

​عنجهية الغلمان.. وحكاية الصمود في "آزخ"
​في تلك الحقبة المضطربة من تاريخ المنطقة، كانت رياح السياسة في جزيرة ابن عمرو تعصف بالتحالفات؛ حيث كانت الدولة العثمانية تمد خيوط وعودها لزعماء المنطقة، ملوحةً بدعمٍ مشروط يهدف إلى بسط السيطرة على جبال الهكاري الوعرة وتطويق نفوذ الآشوريين الذين كانوا يمثلون ثقلاً لا يستهان به في تلك الجبال المنيعة.
​وعلى ضفة أخرى من المشهد، كان التوتر يغلي بين الأمير بدرخان الكردي وبين يوسف آغا، زعيم عشيرة "الآشيتية" الذين اتخذوا من سفوح جبل الطور (طورعبدين) الممتد حتى نصيبين موطناً لهم. في هذا الصراع المحموم على النفوذ، كان أمير "البروار" يتحرك كلاعب شطرنج بارع، يحاول استمالة العشائر لصفه، طمعاً في تعزيز مكانته عند الباب العالي في الأستانة.
​وفي خضم هذه التجاذبات، بعث الأمير بدرخان ستة من غلمانه المقربين إلى بلدة آزخ الصامدة. لم تكن مهمتهم عسكرية بالمعنى الصريح، بل كانت مهمة "جباية" لجمع أموال السلطان. استقر الغلمان في آزخ، وبدأوا يمارسون سلطتهم بصلف، منتظرين اكتمال جمع الضرائب من الأهالي.
​وفي صباح يومٍ مشمس، وبينما كانت أنفاس الفجر تداعب أزقة آزخ، توجه الغلمان الستة نحو "العين" – شريان الحياة في البلدة. كانت العين حينذاك تضج بالحركة؛ فالنسوة والفتيات اجتمعن كعادتهن اليومية، بجرارهن الفخارية وضحكاتهن العفوية، يملأن الماء ويتبادلن أحاديث الصباح في مشهدٍ يجسد الطمأنينة والحشمة.
​لكن غلمان الأمير، الذين أعماهم الغرور وأفسدتهم السلطة، قرروا كسر قدسية هذا المشهد. وبلا وازعٍ من خُلق أو مروءة، وأمام مرأى من النساء المذعورات، خلعوا ثيابهم لليغتسلوا في العين، وتعدوا ذلك إلى إلقاء الكلمات النابية والتحرش اللفظي الذي يخدش الحياء ويخالف وقار تلك الأرض وأهلها.
​لم تجد النسوة أمام هذا التوغل السافر في كرامتهن سوى التحاشي والإعراض، مما أثار حنق الغلمان الذين ظنوا أن إرهاب العزل سيمنحهم نشوة القوة. ففر من كان هناك من الخدم والعبيد ذعراً من بطشٍ متوقع، بينما عادت النسوة إلى بيوتهن والدموع تمتزج بمرارة الشكوى، يروين لذويهن قصص الإهانة التي تعرضن لها من قِبل جباة الأمير، لتبدأ في تلك اللحظة شرارة جديدة من حكاية التمسك بالأرض والعرض
​ملحمة "السودا": حين زأر أسد آزخ في وجه البغاة
​لم تكن شمس ذلك اليوم في آزخ تشبه غيرها من الأيام، فقد حملت النسمات غبار أخبارٍ ثقيلة، كلماتٌ كالسمّ نفثها غلمان الأمير "بدرخان"؛ كلماتٌ نالت من طهر الأرض وعنفوان أهلها. وما إن تناهت تلك البذاءات إلى مسامع الشماس أسطيفان، حتى استدعى تاريخاً طويلاً من الصمود الآزخي الكامن في عروقه. لم يكن الشماس مجرد رجل دين أو وجاهة، بل كان حارس الكرامة الذي لا ينام على ضيم.
​الغضب المقدس والترقب المرّ:
استشاط أسطيفان غضباً، فاعتصر قلبه الألم على تجرؤ هؤلاء الغلمان، لكنه لم يكن غضباً طائشاً، بل كان غلياناً حكيماً. توجه بخطىً واثقة نحو "العين"، وفي مخبئه هناك، شهد بأم عينيه صلفهم، وسمع بآذانه وقع كلماتهم التي تخدش الحياء وتستفز الحجر. كظم غيظه، وحبس بركانه في صدره ريثما تحين اللحظة التي تليق بحجم الإهانة. كان يراقبهم بحدّة صقر، يرقب حركاتهم وسكناتهم وهم يغادرون نبع الماء، متوهمين أن فعلتهم ستمرّ بسلام تحت حماية اسم الأمير.
​الكمين في أرض "السودا":
بينما كان الغلمان يبتعدون باتجاه "الجزيرة"، كان أسطيفان يختصر المسافات عبر دروبٍ يعرفها شبراً بشبر. سبَقهم إلى منطقة "السودا"، تلك الأرض التي تبعد عن أسوار آزخ قرابة الكيلومترين. هناك، حيث تتماوج التضاريس وتصمت الطبيعة إجلالاً، اختار موقعه بدقة. كانت "السودا" شاهداً صامتاً، ينتظر الصرخة التي ستعيد صياغة التاريخ.
​المواجهة الكبرى والزلزال:
ومع اقتراب وقع حوافر خيولهم، انشق صمت الوديان عن هامة أسطيفان الجبارة. هبَّ في وجوههم كأنه قدرٌ محتوم، وانتفض صائحاً بصرخةٍ مدوية لم تكن مجرد صوت، بل كانت زلزالاً هزّ أركان المكان. لقد تردد صدى صرخته في الوديان العميقة، وأجابته الآكام الراسية، فدبّ الرعب في قلوب الغلمان حتى تمنت الأرض لو تنشق وتبتلعهم من هول ما رأوا في عينيه من شرر الحق.
​وقف أمامهم سداً منيعاً، وجسداً يختصر كرامة "آزخ" بأكملها، وصوب نحوهم سهام توبيخه القاتلة:
«قفوا في أماكنكم أيها الجبناء! يا من بعتم شرف الفرسان بكلماتٍ رخيصة.. يا عديمي الصبر والتروي، ألا سحقاً لما فعلتم! لقد أهنتم بفعلتكم الشنيعة هذه مقام الأمير الذي تنضوون تحت لوائه، ولوثتم سمعته بخستكم ودناءتكم، فأنتم قومٌ انسلخوا عن مخافة الله، واستباحوا ما صانته الشرائع السماوية والنواميس الإنسانية منذ الأزل!»
​خاتمة العنفوان:
كانت كلماته تنزل عليهم كوقع المطارق على السندان، فخرسوا أمام جبروت الحق. وجه إليهم إنذاره الأخير، إنذاراً محفوفاً بالحذر والحيطة، فهو الخبير بنفوس الغدر، العارف بمواطن الخطر. لقد أثبت الشماس أسطيفان في ذلك اليوم أن آزخ ليست مجرد بلدة، بل هي قلعة يحرسها رجالٌ من طراز فريد، وأن كرامتها مصانة بدم وعرق أبنائها

الشماس في مواجهة الطغيان
لم تكن تلك الحادثة مجرّد مواجهة عابرة، بل كانت فصلاً من فصول العزّة التي سطرها أبناء "آزخ". بدأت الحكاية حين استباح بعض الغلمان الحرمات، ظانّين أنّ انتسابهم للأمير يمنحهم حصانةً ضد النبل والشهامة، فاعتدوا على نساء أزخ عند "العين"، في فعلٍ وصمه التاريخ بالوضاعة والرداءة.
لكنّ القدر كان يخبئ لهم رجلاً لا ينام على ضيم. وقف ذلك الشاب الشجاع كالطود الراسخ، وحين حاول أحدهم الاستهزاء به متسائلاً بصلف: "من أنت حتى تتصدى لنا؟"، جاءه الرد كقصف الرعد. لم يكن ردًّا بالكلمات فحسب، بل كان إعلانًا لمبادئ لا تقبل المساومة. قال لهم بلسان الواثق: «جئتُ لأجعلكم عبرةً، فإنّي حامي شرف آزخ الذي لا تدنّسه شرذمة حقيرة». لم تكن كلماته مجرّد دفاع عن العرض، بل كانت صفعةَ شتمٍ معنوية سبقت الصراع الجسدي، ليعلّمهم أنّ الرجولة الحقّة هي في مقارعة الرجال، لا في ترويع النساء الضعيفات اللواتي لا حول لهن ولا قوة.
وبينما كان الغلمان يرتجفون من هيبته، أكّد لهم أنّه جاء ليمحو العار ويصون سمعة "الأمير بدرخان" نفسه، الذي لا يمكن أن يرضى بمثل هذه الأفعال الشنيعة المتوارثة. وفي لحظة خاطفة، انقض عليهم كـ "الأسد الهصور" الذي لا يهاب الردى، فأذاقهم مرًّا من الضرب المبرّح حتى تهاوت أجسادهم على الأرض. انقلب كبرياؤهم ذلاًّ، وتبدلت جرأتهم توسّلاً، فرفعوا أياديهم نحو السماء خضوعًا واستسلامًا، يرجون العفو من "الشماس" ويقبّلون يديه اعتذارًا، فما كان منه إلّا أن جرُدهم من أسلحتهم وأطلق سراحهم، محذّرًا إيّاهم من تدنيس اسم الأمير مرّة أخرى بأفعالهم الدنيئة.
المؤامرة وصدى التمرّد
لم تنتهِ القصة عند "العين"، فخلف الجدران وفي ردهات "الجزيرة"، كان الغلمان يحوكون مؤامرة من نسيج الحقد. وبدلاً من الاتّعاظ بالدّرس القاسي الذي ظلّ وصمة عار في جبينهم، ذهبوا إلى الأمير بدرخان وقلبوا الحقائق، فشوّهوا صورة الشماس وزادوا في الرواية ما لم يحدث، سعيًا وراء قرارٍ أميري يقطع رأسه دون استجواب أو إنصاف.
اشتعل غضب الأمير، وأمر أخاه "سيف الدين" بالحضور والقيام بتحريك جيش قويّ لتأديب أزخ، وجلب الشماس ومعه كبار القوم وأعيانها، أمثال "لحدو عبدالا"، "إبراهيم أبو السيف"، و"الأسقف گورگیس". لكن في أزخ، كانت الحكمة تسير جنبًا إلى جنب مع الشّجاعة؛ إذ سارع الشّماس بإبلاغ الوجهاء بكلّ ما حدث، لتستعدّ المدينة بكلّ ثقلها وحكمتها لمواجهة العاصفة القادمة.

يتبع...
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس