تحليل إضافي للمشهد:
في تلك الفترة، كانت هناك "وحدات خاصة" وفرق موت (Death Squads) تتحرك بسيارات من نوع "رينو طوروس بيضاء" (Beyaz Toros)، والتي أصبحت رمزاً للرعب في الثقافة السياسية لجنوب شرق تركيا. يُعتقد على نطاق واسع محلياً أن الأمر بالاغتيال صدر من قيادة الدرك (الجندرمة) المحلية بالتنسيق مع عناصر من "حزب الله التركي" (وهو تنظيم مختلف عن اللبناني، استخدمته الدولة أحياناً كأداة لتصفية المعارضين في التسعينيات) أو عبر قتلة مأجورين يتبعون لنظام حراس القرى.
اغتياله لم يكن حادثاً عرضياً، بل كان عملية "هندسة ديموغرافية" لإزالة آخر عقبة سياسية مسيحية في المنطقة.
قصة برقية السادات: "فتح إيديل" (1979)
تعتبر واقعة البرقية المنسوبة للرئيس المصري محمد أنور السادات عام 1979 علامة فارقة في تاريخ مدينة إيديل (آزخ)، حيث تحولت الانتخابات البلدية من منافسة خدماتية إلى ما يشبه "الغزوة الدينية" في نظر البعض.
1. الشخصيات والتاريخ
رئيس البلدية الكردي: هو عبد الرحمن أباي (Abdurrahman Abay)، زعيم عشيرة "كيتشين" (Keçan) الكردية.
التاريخ: الانتخابات المحلية لعام 1979.
الحدث: نجح عبد الرحمن أباي في الفوز برئاسة البلدية، لينهي بذلك عقوداً من سيطرة السريان (المسيحيين) على إدارة مدينتهم التاريخية "آزخ".
2. مضمون البرقية (كما نُشر وتداول)
بعد إعلان فوز عبد الرحمن أباي، انتشر خبر في الأوساط التركية، وتناقلته بعض الصحف والمجلات (خاصة ذات التوجه الإسلامي أو القومي)، مفاده أن الرئيس المصري محمد أنور السادات أرسل برقية تهنئة شخصية إلى أباي.
مضمون البرقية (بحسب الشهادات والوثائق المحلية):
لم تكن مجرد تهنئة بروتوكولية، بل حملت لغة دينية، حيث نُقل أن السادات هنأ أباي بما وصفه بـ:
"فتح إيديل (آزخ) ورفع راية الإسلام فيها لأول مرة، وانتزاعها من أيدي المسيحيين."
في الأدبيات التركية التي أرّخت لتلك المرحلة، وتحديداً في المصادر التي توثق معاناة السريان، يُشار إلى أن أباي كان يتباهى بهذه البرقية ويقول إنه تلقى تهنئة بـ "الغزوة الإسلامية" أو "الفتح المبين" لقلعة السريان الأخيرة.
3. السياق السياسي للبرقية
لماذا يرسل السادات برقية لرئيس بلدية بلدة صغيرة في تركيا؟
الرمزية الإسلامية: في أواخر السبعينيات، كان التيار الإسلامي يصعد في المنطقة. كانت "آزخ" تُعرف تاريخياً بأنها "القلعة التي لم تسقط" (خاصة أنها صمدت في وجه هجمات عديدة عبر التاريخ). سقوطها سياسياً في يد رئيس مسلم كان يُسوق له إعلامياً (في بعض الأوساط) على أنه "نصر للإسلام".
الدعاية المحلية: يرى بعض المؤرخين والمحللين أن عبد الرحمن أباي وعشيرته استخدموا اسم السادات (الذي كان يتمتع بشعبية عالمية حينها) لتعزيز شرعيتهم وتخويف السكان السريان، ولإضفاء صبغة "جهادية" على عملية التغيير الديموغرافي، مما يجعل طرد السريان أو التضييق عليهم عملاً "مقدساً" وليس جريمة.
4. الآثار المترتبة
كان لهذه الحادثة (فوز أباي + البرقية) أثر نفسي مدمر على السريان:
اعتبر السريان أن الدولة التركية والمحيط الإسلامي قد تحالفوا ضدهم.
بدأت في عهد عبد الرحمن أباي (1979) أولى عمليات التضييق الممنهج الحقيقية، حيث تم جلب عائلات كردية من القرى وتوطينها داخل أحياء آزخ لتغيير الطابع السكاني، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لاغتيال شكرو توتوش (الذي عاد للرئاسة لاحقاً لفترة وجيزة قبل قتله) وللهجرة الجماعية الكبرى.
المصدر: هذه الواقعة مذكورة في عدة دراسات توثق تاريخ السريان في تركيا، وتُستشهد بها كدليل على تحويل الصراع من نزاع عقاري/سياسي إلى صراع ديني وجودي.
__________________
fouad.hanna@online.de
|