اغتيال شكرو توتوش (1994): الجريمة والفاعل المجهول-المعلوم
تعتبر قضية اغتيال شكرو توتوش (Şükrü Tutuş) واحدة من أبرز قضايا "الفاعل المجهول" (Faili Meçhul) في تاريخ تركيا الحديث، وهي المصطلح الذي يُستخدم للإشارة إلى الاغتيالات السياسية التي نفذتها أو غضت الطرف عنها أجهزة تابعة للدولة في التسعينيات.
1. تفاصيل الحادثة
التاريخ: 17 يونيو 1994.
الموقع: إيديل (آزخ)، أمام منزله.
السيناريو: كان شكرو توتوش عائداً إلى منزله بعد انتهاء عمله في البلدية. تعرض لإطلاق نار كثيف ومباشر من قبل مسلحين مجهولين. توفي متأثراً بجراحه.
الوضع الأمني: في تلك الفترة، كانت إيديل منطقة عسكرية مغلقة عملياً. لا يمكن لأي مسلح أن يتحرك بحرية في وسط المدينة، وينفذ اغتيالاً لرئيس بلدية، ثم ينسحب بهدوء دون أن يكون هناك غطاء أمني أو "ضوء أخضر" من جهة نافذة.
2. هل كانت للحكومة (الدولة العميقة) يد في الاغتيال؟
الجواب القصير بناءً على شهادات العائلة، المنظمات الحقوقية، والتحليلات التاريخية هو: نعم، أصابع الاتهام تشير بقوة إلى "الجيتم" (JİTEM) والمتواطئين مع الدولة.
إليك الأدلة والسياق الذي يدعم تورط أجهزة مرتبطة بالدولة:
أ. رفض نظام "حراس القرى" (Koruculuk)
السبب الرئيسي والمباشر الذي يُعتقد أنه أدى لاغتياله هو موقفه من تسليح السريان.
ضغطت الدولة التركية وقيادات الجيش في المنطقة بشدة على شكرو توتوش لكي يقبل بتشكيل ميليشيات من السريان تحت مسمى "حراس القرى" لقتال حزب العمال الكردستاني (PKK).
موقف توتوش: رفض بشدة. كان يقول: "نحن مسيحيون، لسنا طرفاً في هذه الحرب بين الأكراد والأتراك، ولن نحمل السلاح ضد جيراننا".
هذا الرفض اعتبرته الدولة "خياناً" أو "عدم ولاء"، مما جعله هدفاً للتصفية لإزاحة العقبة أمام عسكرة المنطقة بالكامل.
ب. دور "الجيتم" (JİTEM)
الجيتم (مخابرات الدرك ومكافحة الإرهاب) كانت منظمة غير رسمية داخل الدولة، اشتهرت في التسعينيات باختطاف وتصفية المعارضين الأكراد والسياسيين الذين لا يتعاونون مع الدولة.
النمط الذي قُتل به توتوش يطابق تماماً نمط عمليات الجيتم: اغتيال في وضح النهار أو عند الغروب، في منطقة خاضعة لسيطرة الدولة، ثم تسجيل القضية "ضد مجهول" أو نسبها زوراً للمنظمات الإرهابية لإغلاق الملف.
ج. التستر القضائي
لم يتم إجراء تحقيق جنائي جدي. لم يتم جمع الأدلة الجنائية بمهنية، ولم يتم استجواب الشهود أو العسكريين المسؤولين عن أمن المنطقة آنذاك.
ظلت القضية معلقة لسنوات طويلة حتى سقطت بالتقادم (مرور الزمن)، وهو تكتيك معروف لحماية الجناة التابعين للدولة من المحاكمة.
3. لماذا تخلصت منه الدولة؟ (الدوافع الاستراتيجية)
لم يكن توتوش مجرد شخص، بل كان "سدّاً" يحمي ديموغرافيا آزخ:
الاستيلاء على الأراضي: كان شكرو توتوش يمنع بيع أراضي السريان المهاجرين للأكراد أو لزعماء العشائر الموالين للدولة. بمجرد اغتياله، انكسر هذا الحظر، وتم الاستيلاء على مساحات شاسعة من أراضي وعقارات السريان في إيديل، وتم توطين عشائر كردية (خاصة من حراس القرى) في المدينة لتغيير هويتها.
رسالة رعب: كان اغتياله رسالة للسريان المتبقين مفادها: "إذا كان زعيمكم ورئيس بلديتكم غير محمي، فلا أمان لأحد منكم". وهذا ما أدى فعلياً إلى موجة الهجرة الكبرى في 1994-1995.
4. الخلاصة
بينما قد لا توجد وثيقة رسمية ممهورة بختم الحكومة تأمر بقتله، إلا أن المسؤولية السياسية والأمنية تقع بالكامل على عاتق "الدولة العميقة" في تركيا آنذاك.
لقد قُتل شكرو توتوش لأنه اختار الحياد في حرب دموية. رفض أن يكون بيدقاً بيد الجيش ضد الأكراد، ورفض أن يدعم حزب العمال الكردستاني. هذا الموقف المستقل جعله هدفاً، وكان اغتياله هو المفتاح الذي فتح باب الجحيم على سريان آزخ، مما أدى إلى إفراغ المدينة من سكانها الأصليين وتسليم إدارتها لاحقاً للتركيبة السكانية الجديدة.
__________________
fouad.hanna@online.de
|