إيديل (آزخ): صراع الهوية والبقاء (1977 - 2024) تعد مدينة إيديل (أو "آزخ" كما يسميها
إيديل (آزخ): صراع الهوية والبقاء (1977 - 2024)
تعد مدينة إيديل (أو "آزخ" كما يسميها أهلها السريان) واحدة من أهم المراكز التاريخية في منطقة طور عبدين. تاريخها الحديث ليس مجرد سجل للانتخابات، بل هو مرآة تعكس التحولات الديموغرافية القاسية والصراعات السياسية الدامية التي شهدتها المنطقة. فيما يلي توثيق للمرحلة الممتدة من رئاسة شكرو توتوش وحتى انتخابات 2024.
1. الحقبة الذهبية الأخيرة: عهد شكرو توتوش (1977 - 1994)
الوضع السياسي
كان شكرو توتوش (Şükrü Tutuş) شخصية محورية وزعيماً وطنياً لأهل آزخ. تولى رئاسة البلدية لفترات متعددة (انتخب في 1977، 1984، و1989) ممثلاً لحزب الوطن الأم (ANAP) في فتراته الأخيرة، لكن شعبيته كانت تتجاوز الانتماءات الحزبية.
الرمزية: كان توتوش يمثل "الحصن الأخير" للوجود السرياني السياسي في مدينة كانت تفقد طابعها المسيحي تدريجياً لصالح الهجرة الكردية من الأرياف.
الإدارة: تميزت فترته بمحاولة الحفاظ على توازن دقيق جداً بين الدولة التركية، الحركة الكردية الصاعدة، والمجتمع السرياني الذي كان يحاول حمايته.
الأحوال الاجتماعية
النسيج الاجتماعي: حتى أواخر السبعينيات والثمانينيات، كانت آزخ لا تزال تحتفظ بطابعها السرياني القوي، رغم بدء التغير الديموغرافي. كانت الكنائس مفتوحة، والأعياد (مثل عيد الانتقال وعيد مار جرجس) تُحتفل بها علناً.
التعايش القلق: ساد نوع من التعايش الحذر بين السريان والأكراد، لكن التوترات كانت تتصاعد مع اشتعال الصراع بين حزب العمال الكردستاني (PKK) والدولة التركية في منتصف الثمانينيات. وجد السريان أنفسهم "بين المطرقة والسندان"؛ فالدولة تضغط عليهم للانضمام لنظام "حراس القرى"، والحزب يضغط عليهم للحصول على الدعم اللوجستي.
2. عام الانهيار: اغتيال شكرو توتوش (1994)
كان عام 1994 عاماً مفصلياً ودموياً في تاريخ جنوب شرق تركيا، وعام "النكبة الثانية" لسريان آزخ.
حادثة الاغتيال
في 17 يونيو 1994، تم اغتيال شكرو توتوش في ظروف غامضة، وسُجلت القضية حينها كـ "فاعل مجهول" (Faili Meçhul)، وهو المصطلح الذي كان يُطلق غالباً على العمليات التي يُعتقد أن "الدولة العميقة" أو "الجيتيم" (JİTEM) وحلفاءهم من حراس القرى متورطون فيها.
الهدف: لم يكن اغتيال توتوش مجرد تصفية جسدية لشخص، بل كان رسالة سياسية بإنهاء الوجود السرياني في الإدارة المحلية.
التبعات المباشرة (الهروب الكبير)
أدى الاغتيال إلى حالة من الذعر والرعب المطلق بين العائلات السريانية المتبقية.
شهدت الفترة (1994-1995) موجة نزوح جماعي هائلة. غادرت مئات العائلات منازلها وأراضيها متجهة فوراً إلى أوروبا (خاصة ألمانيا والسويد) طلباً للجوء، تاركين وراءهم أملاكهم التي تم الاستيلاء على الكثير منها لاحقاً.
3. الحقبة الكردية (1994 - 2024)
بعد اغتيال توتوش، انتقلت السيطرة على البلدية بالكامل، وتغيرت هوية المدينة.
انتقال السلطة
مرحلة ما بعد الاغتيال: تولى رئاسة البلدية بعده عبد الرحمن أباي (Abdurrahman Abay)، وهو شخصية كردية عشائرية (من عشيرة كيتشين) مدعومة من الدولة آنذاك (عبر حزب ANAP).
صعود الحركة السياسية الكردية: مع مرور الوقت، وتحديداً في الألفينات، سيطرت الأحزاب الموالية للحركة الكردية (مثل HADEP، DEHAP، DTP، BDP، HDP) على البلدية. أصبح رؤساء البلدية أكراداً يمثلون الخط السياسي الكردي.
التغيير الديموغرافي: تحولت آزخ (إيديل) ديموغرافياً إلى مدينة ذات غالبية كردية ساحقة (أكثر من 95%). تحولت بيوت السريان القديمة في حي "تورغوت أوزال" وحي "يني محلة" إما إلى أطلال أو سكنها وافدون جدد.
الأحوال الاجتماعية في هذه الحقبة
أصبحت المدينة ساحة للصراع السياسي المستمر بين الدولة وحزب العمال الكردستاني.
عانى من تبقى من السريان (بضع عائلات فقط) من العزلة والخوف، وغالباً ما كانت أملاك الغائبين عرضة للتعدي.
4. انتخابات 2024: استعادة الرمزية "الآزخية"
في الانتخابات المحلية التي جرت في 31 مارس 2024، حدث تحول دراماتيكي ذو دلالة رمزية هائلة.
توركان كاير (Türkan Kayır)
المرشحة: فازت السيدة توركان كاير برئاسة بلدية إيديل عن حزب "المساواة وديمقراطية الشعوب" (DEM Parti).
الخلفية: توركان كاير هي من أبناء آزخ الذين عاشوا في المهجر (ألمانيا) لمدة تقارب 40 عاماً. عودتها وترشحها كانا بمثابة "عودة الروح" للهوية الآزخية القديمة.
دلالة الفوز:
يعتبر فوزها، كما وصفت في سؤالك، استعادة للرئاسة من قبل "آزخية" (قادمة من الشتات) بعد عقود من السيطرة الكردية المحلية (سواء الموالية للدولة أو الموالية للحزب).
رغم أنها ترشحت ضمن قائمة حزب كردي (DEM Parti)، إلا أن اختيارها يحمل رسالة تصالحية واعترافاً بتاريخ المدينة الأصلي.
المشهد الحالي (2024)
السياسة: المدينة الآن تحت إدارة تقودها امرأة عائدة من أوروبا، مما يعكس نفوذ "الشتات الآزخي" الذي أصبح قوياً اقتصادياً وسياسياً في الخارج وبدأ يؤثر في الداخل.
الاجتماع: هناك محاولات خجولة لإحياء التراث السرياني، وترميم ما يمكن ترميمه، بدعم من الرئاسة الجديدة، وسط ترقب لكيفية إدارة التوازن بين الأغلبية الكردية الحالية والإرث السرياني التاريخي للمدينة.
الخلاصة:
من اغتيال شكرو توتوش في 1994 الذي دشن مرحلة الخوف والهروب، إلى انتخاب توركان كاير في 2024 الذي يمثل مرحلة العودة واستعادة الاعتبار، مرت آزخ بـ 30 عاماً (أو 37 عاماً بحسب حسابات تعود لبدايات التوتر) من التغيير الجذري الذي قلب هويتها رأساً على عقب، لتشهد اليوم محاولة لرأب الصدع التاريخي.
__________________
fouad.hanna@online.de
|