Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   بين اشتقاق اسم «السريان» وإثبات الهوية الآشورية: قراءة نقدية في منشور متداول بقلم ال (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51872)

fouadzadieke 24-09-2026 05:07 PM

بين اشتقاق اسم «السريان» وإثبات الهوية الآشورية: قراءة نقدية في منشور متداول بقلم ال
 
بين اشتقاق اسم «السريان» وإثبات الهوية الآشورية: قراءة نقدية في منشور متداول

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

يتضمّن المنشور المتداول جملة من المعلومات الصحيحة والمهمّة حول العلاقة التاريخية واللغوية بين اسمي «سوريا/السريان» و«آشور/الآشوريين»، إلّا أنّه ينتقل بعد ذلك من إثبات مسألة لغوية إلى استنتاجات تتعلّق بالهُِويّة القومية والكنسية والثقافية، وهي استنتاجات لا يُثبتها الدليل اللغوي وحده، وفي هذا الانتقال تحديدًا تكمن المبالغة والمغالطة الأساسية.
لا خلاف في أنّ هناك اتّجاهًا قويًّا وواسعًا في الدراسات الحديثة يرى وجود علاقة اشتقاقية تاريخية بين Syria/Syrian وAssyria/Assyrian، وأنّ نقش جينكوي (Çineköy) من القرن الثامن قبل الميلاد يُمثّل دليلًا مهمًّا جدًّا في هذه المسألة. فالنّقش ثُنائيّ اللغة، بالفينيقية واللوية، وتظهر فيه صيغة مرتبطة بـ«آشور» في النصّ الفينيقي مقابل صيغة «سورا/سوري» في النصّ اللووي، وقد استخدم عدد من الباحثين، ومنهم روبرت رولينغر، هذا الدليل لتعزيز الرأي القائل بأنّ اسم «سوريا» يرتبط تاريخيًّا باسم «آشور». كما أنّ هيرودوت يذكر أنّ الذين يُسمّيهم اليونانيون «سوريين» كانوا يُسمَّون «آشوريين» عند الآخرين. وهذه مُعطيات تاريخية ولغوية مُهمّة لا ينبغي إنكارها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل هذا الاستنتاج الاشتقاقي إلى قاعدة عامّة مفادها أنّ كلّ كلمة «سريانيّ» أينما وردت وفي أيّ عصر كانت تعني بالضرورة «آشوري». فهذا استنتاج لا يلزم من الأدلة المذكورة. هناك فرق منهجيّ أساسيّ بين أصل الكلمة وتاريخ تطوّرها من جهة، وبين معنى المُصطلح واستعماله وهُوية الجماعات التي استخدمته من جهة أخرى. فالاشتقاق اللغوي يُخبرنا عن تاريخ اللفظ ومساره، لكنّه لا يمنحنا تلقائيًّا تعريفًا ثابتًا لهُوية كلّ جماعة استخدمت هذا اللفظ بعد قرون أو آلاف السنين.
ومن هنا فإنّ الاستدلال من أصل «سوريا» أو «سرياني» إلى أنّ «اللغة السريانية هي اللغة الآشورية» ليس استنتاجًا لغويًّا صحيحًا. فالسريانية، في الاصطلاح العلمي، لغة آراميّة أدبيّة نشأت بصورة بارزة في منطقة الرها، ثم أصبحت لغة أدبيّة ودينيّة وثقافيّة واسعة الانتشار في الشرق الأدنى المسيحي. أمّا الآشوريّة القديمة فكانت لهجة من لهجات اللغة الأكاديّة. وبالتالي فإنّ العلاقة الاشتقاقيّة بين اسمي «سريانيّ» و«آشوريّ» لا تعني أنّ اللغة السريانيّة هي اللغة الآشوريّة القديمة، ولا تلغي الفارق اللغويّ والتاريخيّ بين الآراميّة والأكاديّة.
والأمر نفسه يَنطبق على عبارة «التراث السريانيّ هو التراث الآشوريّ». فهذه ليست مسألة اشتقاق لغويّ أصلًا، وإنّما قضيّة تاريخيّة وثقافيّة مُرَكّبة تحتاج إلى دراسة مصادر المجتمعات التي أنتجت هذا التراث، ولغاتها، ومؤسّساتها، وتَسمياتها الذاتيّة، وسِياقاتها التاريخيّة. وجود علاقة تاريخيّة بين المُصطَلَحين لا يجعل كلّ إنتاج أدبيّ أو لاهوتيّ أو فلسفيّ أو كنسيّ وُصِف بالسريانيّ آشوريًّا بالتعريف.
أمّا الانتقال من ذلك إلى القول إنّ «الأمّة السريانيّة هي الأمّة الآشوريّة»، فهو انتقال أكبر بكثير، لأنّنا هنا لم نَعُد نتحدّث عن أصل كلمة، بل عن الهُوِيّات الجماعيّة والقوميّة الحديثة. والهُوِيُة القوميّة ليست مسألة يُمكِن حسمها بالرجوع إلى أصل لفظة قديمة. قد تُوجد لدى جماعات مُختلفة روايات مُتعدّدة عن استمراريتها التاريخيّة، وقد يستخدم أفراد وجماعات مُصطلحات «سريانيّ» و«آشوريّ» و«آراميّ» بِطُرُق مُختلفة، وقد تكون هناك نقاط تداخل تاريخيّة وثقافيُة ولُغويّة بينها، لكنّ إثبات أو نفي هذه الهُوِيُات يحتاج إلى أدلّة تاريخيّة واجتماعيّة وسياسيّة مُستقلّة عن علم الاشتقاق.
والأمر أكثر وضوحًا في عبارة «الكنيسة السريانيّة هي الكنيسة الآشوريّة». فالكنيسة مؤسّسة تاريخيّة لها تَسميتها وتَطوّرها ومَوروثها ومصادرها وبُنيتها الكنسيّة الخاصة، ولا يُمكن تَحويل اسمها إلى اسم آخر بِمُجرّد إثبات أنّ أحد المُصطَلَحَين قد يكون مُشتقًّا تاريخيًّا من الآخر. إنّ القول بأنّ أصل كلمة «سريانيُ» يرتبط بـ«آشور» لا يجعل كلّ مؤسّسة تاريخيّة حملت اسم «سريانيّة» مؤسّسة «آشوريّة» تلقائيًّا.
كذلك فإنّ الاستشهاد بهيرودوت يحتاج إلى قراءة دقيقة. نعم، نصّ هيرودوت مُهِمّ للغاية لإظهار وُجود تَداخُل قديم بين تَسمِيَتَي «سوريّين» و«آشوريّين»، لكنّه لا يَتحدّث عن مفهوم «القوميّة» بالمعنى الحديث، ولا يُقدّم نظرية تقول إنّ كلّ من سَيُسمّى «سريانيًّا» بعده هو بالضرورة آشوريّ الهُوِيّة. إنّ استعمال أسماء الشّعوب والمناطق عند المؤرخين القدماء كان يتغيّر بحسب العصر والكاتب والسّياق الجغرافيّ والسّياسيّ، ولذلك لا يَجوز إسقاط استعمال اسم في القرن الخامس قبل الميلاد بصورة آليّة على جماعات ومؤسّسات ظهرت أو تطوّرت بعد ذلك بقرون.
وهنا يَنبغي التمييز بين ثلاث مسائل كثيرًا ما يجري خلطها: اشتقاق الاسم، وتاريخ الجماعة، والهُوِيّة القوميّة. قد يكون للاسم «السريانيّ» ارتباط اشتقاقيّ تاريخيّ باسم «آشور»، وهذا أمر تدعمه أدلّة قويّة. وقد تكون هناك أيضًا استمراريّات سكّانيّة وثقافيّة ودينيّة ولُغويّة بين سكّان بلاد الرافدين وبلاد الشام عبر العصور، وهذه قضيّة تاريخيّة جديرة بالدراسة. لكن لا يجوز تحويل أيّ من ذلك إلى معادلة رياضيّة تقول: «سريانيّ = آشوريّ» في كلّ زمان ومكان وسياق.
إنّ المُغالطة الأساسيّة في المنشور هي أنّه يبدأ بنتيجة لُغويّة لها أساس علميّ مُعتَبَر، ثمّ يحمّلها نتائج لم يُثبِتها الدليل نفسُه. فـ«أصل الاسم» لا يُساوي بالضرورة «هُوِيّة مُستعمل الاسم»، و«تاريخ المُصطلح» لا يُساوي «التعريف القوميّ الحديث»، و«التداخُل بين تَسميتين» لا يعني بالضرورة «التطابق الكامل بين جميع الجماعات والمؤسّسات التي حملتهما».
لذلك فالموقف العلميّ المُتوازن ليس إنكار العلاقة التاريخيّة بين «سوريا/السريان» و«آشور»، كما أنّه ليس تحويل هذه العلاقة إلى حقيقة شاملة تبتلع جميع الاستعمالات اللاحقة لكلمة «سريانيّ». الأدقّ أن نقول إنّ الأدلّة اللغويّة والتاريخيّة، ومِن بينها نقش جينكوي وشهادة هيرودوت، تُقدّم أساسًا قويًّا لدراسة العلاقة الاشتقاقيّة بين المُصطَلَحَين، لكنّ هذه الأدلّة وحدَها لا تُثبت أنّ كلّ ما هو سريانيّ في اللغة والتراث والكنيسة والهُوِيّة القوميّة هو بالضرورة آشوريّ.
وباختصار، فإنّ النّقش يشرح لنا شيئًا مُهمًّا عن تاريخ الاسم، لكنّه لا يُصدِر حكمًا نهائيًّا على هُوِيّة كلّ مَن حمل الاسم بعد آلاف السنين. وهذه هي النقطة التي يجب ألّا تَضيع عندما ننتقل من علم اللغة والتاريخ القديم إلى مسائل الهُوِيّة والذاكرة الجَماعِيّة في العصور الحديثة.


الساعة الآن 09:39 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke