![]() |
الكرد بين الحقيقة والتوظيف القومي بقلم الباحث فؤاد زاديكي قرأت المنشور الطويل بعنوا
الكرد بين الحقيقة والتوظيف القومي
بقلم الباحث فؤاد زاديكي قرأت المنشور الطويل بعنوان «مَن هم الأكراد؟»، وهو منشور يتضمن بالفعل حقائق مهمة عن الشعب الكردي وتاريخه الحديث، ولا سيّما ما تعرض له الكرد من اضطهاد وتهجير وقتل في بعض المراحل، لكنّه في الوقت نفسه يخلط بين التاريخ الموثق والروايات الشعبية والاستنتاجات القومية، وينسب إلى الكرد شخصيات وأحداثًا لا تُثبت المصادر نسبتَها إليهم. والإنصاف هنا يقتضي أمرين متلازمين: ألّا ننكر حقائق تاريخ الكرد ومظالمهم، وألّا نقبل في المقابل كلّ ما يُقال باسم التاريخ لمجرّد أنّه يخدم قضية قومية. فالكرد شعب حقيقي وعريق، ولهم لغة وثقافة وهوية وتاريخ طويل في منطقة الشرق الأوسط، ولا يحتاج إثبات وجودهم إلى الأساطير ولا إلى اختراع تاريخ بديل. فالكرد من شعوب المنطقة الأصلية، واللغة الكردية تنتمي إلى مجموعة اللغات الإيرانية ضمن العائلة الهندية الأوروبية. وهذا يعني صلة لغوية تاريخية بالمجموعة الإيرانية، لكنّه لا يعني أنّ الكرد «فرس» بالمعنى القومي الحديث، تمامًا كما أنّ الانتماء إلى عائلة لغوية لا يُساوي بالضرورة هُوِيّة سياسية أو قومية واحدة. أما كردستان فهي تسمية تاريخية وجغرافية لمناطق واسعة سكنها الكرد، وليس من الدقة تصويرها وكأنّها كانت طوال التاريخ دولة قومية موحّدة ذات حدود ثابتة ثم جاءت اتفاقية سايكس ـ بيكو سنة 1916 فقسمتها ببساطة إلى خمسة أجزاء. فالحدود الحديثة للمنطقة نتجت عن سلسلة طويلة من الأحداث بعد الحرب العالمية الأولى، ومن بينها سقوط الدولة العثمانية، ومعاهدة سيفر 1920، ومعاهدة لوزان 1923، وترسيخ حدود تركيا والعراق وسوريا وإيران. لذلك فإنّ عبارة «سايكس ـ بيكو قسّمت كردستان إلى خمسة أجزاء» هي عبارة سياسية شائعة، لكنّها ليست وصفًا تاريخيًّا كاملًا. أمّا مساحة كردستان التي تذكر في بعض المنشورات بنحو 500 ألف كيلومتر مربع، فهي أيضًا تقدير يعتمد على تعريف جغرافي وسياسي معين لمفهوم كردستان، ولا توجد حدود تاريخية متّفق عليها تسمح بالتعامل مع الرقم باعتباره حقيقة جغرافية ثابتة. يُكّرر المنشور أنّ الكرد ينحدرون من الميديين، وأنّ الكاردوخيين والكوتيين وغيرهم من شعوب المنطقة هم أسلاف الكرد. هذه المسألة أكثر تعقيدّا مما يعرضها المنشور. هناك بالفعل نظريات تاريخيّة ولغويّة تربط الكرد ببعض الشعوب الإيرانية القديمة، وخاصّة الميديين، كما أنّ الكاردوخيين الذين ذكرهم زينوفون في القرن الرابع قبل الميلاد عاشوا في منطقة قريبة من موطن الكرد الحالي. لكنّ هذا لا يعني أنّ لدينا سلسلة نسب تاريخيّة مُتّصلة تُثبِت بصورة قاطعة أنّ الميديين = الكرد المعاصرون أو أنّ الكاردوخيين = الكرد. بل إنّ Encyclopaedia Iranica تذكر أنّ الربط بين الكاردوخيين والكرد طُرح مرارًا، لكنّها تُشير إلى أنّ جماعات أخرى، مثل الـCyrtii، قد تكون أقرب صلة بهم. والمنهج العلمي هنا بسيط: نقول إنّ للكرد جذورًا تاريخيّة عميقة في مناطق زاغروس وشمال بلاد الرافدين والأناضول، لكنّ تفاصيل تشكّل الهُوِيّة الكرديّة الحديثة كانت عملية تاريخيّة طويلة، ولا يُمكن اختزالها في قبيلة أو شعب قديم واحد. إنّ أغرب ما في المنشور محاولة إثبات كرديّة النّبي إبراهيم. فيُقال إنّ إبراهيم كرديّ، وإنّ آزر كرديّ، وإنّ سارة كرديّة، وإنّ نمرود كرديّ، وإنّ أسماءهم ذات أصول كرديّة، ثم يستدلّ على ذلك بكون أحداث قصة إبراهيم وقعت في مناطق أصبحت لاحقًا من المناطق التي سكنها الكرد. وهذا استدلال غير صحيح. أولاً: القوميّات الحديثة لم تكن موجودة في عصر إبراهيم بالمفهوم الذي نعرفه اليوم. ثانياً: وجود قصة إبراهيم في منطقة جغرافية معيّنة لا يعني أنّ الشخصية كانت تحمل هُوِيّة قوميّة حديثة مُرتبطة بسكّان تلك المنطقة بعد آلاف السنين. ومن المعروف انّ أبراهيم كان كلدانيًّا يعيش في منطقة أور الكلدانيين. ثالثاً: اشتقاق اسم من لغة معيّنة لا يُثبت قومية صاحبه. أمّا القول إنّ سارة اسم كرديّ، فهو غير صحيح؛ فالاسم معروف في اللغات السامية القديمة، ولا يوجد ما يُثبت أنّه اسم كرديّ. والقول إنّ نمرود اسم كرديّ لا يقوم على دليل تاريخيّ أو لغويّ مُعتبر. أمّا رواية الرجل المُسمّى هيزن الذي قِيل إنّه صنع المنجنيق لإبراهيم ووصف في بعض كتب التفسير بأنّه كرديّ، فحتى لو صحّت الرواية، فهي لا تُثبت أنّ إبراهيم كان كرديًّا، ولا أنّ قوم إبراهيم كانوا أكرادًا. إنّها ببساطة قفزة من: «ورد اسم رجل كرديّ في رواية مُتأخّرة» إلى: «إذن إبراهيم وقومه أكراد». وهذا ليس منهجًا تاريخيًّا. أمّا قصة جبل الجودي، فهي ثابتة في القرآن، والجودي معروف في منطقة شمال بلاد الرافدين، لكن ذلك لا يعني أنّ القرآن نَسَبَ قوم نوح إلى الكُرد، ولا أنّ الجغرافيا الحاليّة يُمكن إسقاطها مباشرة على الهُوِيات القوميّة الحديثة. أمّا صلاح الدين الأيوبي، فالأمر مختلف تمامًا. فصلاح الدين من الأسرة الأيوبيّة ذات الأصل الكرديّ، وهذه حقيقة تاريخيّة معروفة، ولا نحتاج إلى قصة غورو ولا إلى إبراهيم ولا إلى الميديين لإثباتها. كان صلاح الدين قائدًا وسياسيًّا مسلمًا أسّس الدولة الأيوبيّة _ وليس الدولة الكرديّة _ ونجح في توحيد مصر وأجزاء واسعة من الشام، وخاض معارك طويلة ضد الصليبيين، واستعاد القدس سنة 1187. وهذا تاريخ عظيم للكرد وللمسلمين وللمنطقة كلّها. لكنّ المنشور يروي أنّ الجنرال الفرنسي غورو وقف على قبر صلاح الدين سنة 1920 وقال: «ها قد عُدنا يا صلاح الدين»، ثم داس القبر بحذائه. المشكلة أنّ هذه الرواية ليست بهذه البساطة. فالدراسات التي تناولت حادثة دخول الفرنسيين إلى دمشق تُشير إلى أنّ غورو زار الجامع الأموي وضريح صلاح الدين، لكن رواية العبارة الشهيرة ونسبة وطء القبر بالحذاء مَحلّ خلاف، وهناك مصادر تُشير إلى أنّ العبارة ارتبطت لاحقًا بروايات صحفيّة وسياسيّة، كما أنّ الجنرال غويبيه ارتبط ببعض الروايات المتعلّقة بالزيارة. وهنا ينبغي أن نفرّق بين حقيقتين: الاحتلال الفرنسي لسوريا حقيقة تاريخية. أمّا الكلمات المَنسوبة إلى غورو وتصوير الحادثة بطريقة مُعيّنة فمسألة تحتاج إلى توثيق، ولا يجوز تحويل الرواية الشعبي؟ة إلى حقيقة قطعيّة. لقد أصبح الكرد جزءًا مهمًّا من الحضارة الإسلامية منذ القرون الأولى، وأسلمت جماعات كرديّة على مراحل، وظهر منهم علماء وقادة وفقهاء وقادة عسكريّون ودول وأسر حاكمة. توجد في كتب التراجم شخصيّة تُعرف باسم جابان الكرديّ، لكنّ وجود شخصيّة كرديّة مسلمة في صدر الإسلام لا يعني أنّ جميع الكرد دخلوا الإسلام دفعة واحدة أو أنّهم أسلموا دون مقاومة أو صراع. وكذلك فإنّ دخول الإسلام إلى المناطق الكرديّة كان عمليّة طويلة امتدّت عبر عصور، وتداخلت فيها الفتوحات والتحوّلات السياسيّة والعلاقات المحليّة والاعتناق الدينيّ التدريجيّ. أمّا القول إنّ الكرد كانوا دائمًا مُوالين للخلافات الإسلاميّة، فهذه أيضاً صورة مثاليّة للتاريخ. فقد تعاونت جماعات كرديّة مع دول إسلاميّة، كما حكمت أسر كرديّة مناطق واسعة، ودخلت جماعات كرديّة في صراعات مع سلطات إسلاميّة مختلفة، مثلما فعلت شعوب المنطقة الأخرى. فالتاريخ ليس كتلة واحدة. ومن الأخطاء أيضًا تقديم أبو مسلم الخراساني باعتباره كرديًّا أمرُا محسومًا. إنّ أصل أبي مسلم مُختَلَف عليه بين المؤرخين، ولذلك لا يصحّ استعماله دليلًا قاطعًا على «الدور الكرديّ» في قيام الدولة العباسيّة. أمّا الدور الحقيقيّ للكرد في الدولة الإسلاميّة، فهو كبير بما يكفي ولا يحتاج إلى شخصيات مُختَلَف في أصولها. هنا توجد حقيقة تاريخيّة مهمّة حول أسرة أيوب وشيركوه وصلاح الدين كانت كرديّة الأصل، ولعبت دورًا مركزيًّا في التاريخ الإسلاميّ في مصر والشام والجزيرة. لكن من الخطأ أيضًا تحويل صلاح الدين إلى قائد قومي كرديّ بالمعنى الحديث. صلاح الدين لم يُقِم مشروعَه السياسيّ على تأسيس دولة قوميّة كرديّة، بل كان مشروعه السياسيّ والعسكريّ إسلاميًّا وإقليميًّا، وكانت دولته تضمّ العرب والكُرد والترك وغيرهم. ومن الإنصاف أن نفخر بصلاح الدين كقائد كرديّ الأصل دون أن نُعيد تَفسير مشروعه السياسيّ وفق مفاهيم قوميّة لم تكن موجودة في عصره. يقول المنشور إنّ الكرد ظلّوا مُوالين للدولة العثمانية، وأنّ العثمانيين منحوا الكرد أكثر من 36 ولاية شبه مستقلّة لمدة ثمانية قرون. وهذا يحتاج إلى تصحيح كبير. فالعلاقة العثمانيّة ـ الكرديّة كانت متنوّعة: تحالفات، وإمارات محليّة، وامتيازات، وصراعات، وإعادة تنظيم إداريّ، ومراحل من الحكم المحليّ. وبعض الإمارات الكرديّة تمتّعت بدرجات واسعة من الحكم الذاتي، لكن لا يصحّ تحويل ذلك إلى نظام واحد ثابت استمرّ «ثمانية قرون». كما أنّ الدولة العثمانية نفسها لم تكن دولة قوميّة تركيّة بالمعنى الذي أصبح عليه مفهوم القوميّة في القرن التاسع عشر والعشرين. أمّا ثورة الشيخ سعيد بيران سنة 1925، فهي حدث مهمّ في تاريخ الكرد في تركيا. لكن وصفها بأنّها «أوّل وآخر ثورة لإعادة الخلافة الإسلامية» مُبالغة تاريخيّة. كانت الثورة تحمل عناصر دينيّة وقوميّة وسياسيّة متداخلة، وتختلف الدراسات في مقدار وزن كلّ عنصر، لذلك لا يصحّ اختزالها في أنّها ثورة إسلاميّة فقط، كما لا يصحّ اختزالها في قوميّة كرديّة صرفة. والأدقّ أن نقول إنّ الحركة ارتبطت برفض سياسات الجمهوريّة التركيّة الجديدة، وبعوامل كرديّة ودينيّة وقبلي؟ة وسياسيّة مُتداخلة. لا خلاف في أنّ للكرد إسهامات كبيرة في الحضارة الإسلاميّة. ومن الأسماء التي يمكن الحديث عنها بثقة: صلاح الدين الأيوبيّ، شيركوه، ابن الصلاح الشهرزوري، ابن خلّكان، السيف الآمدي، الجزري وغيرهم، مع ضرورة التحقّق من أصل كلّ شخصيّة على حدة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل الجغرافيا إلى إثنيّة. ليس كلّ مَن وُلِد في مدينة كردستان كرديًّا، وليس كلّ من عاش في منطقة كرديّة كرديًّا. ولهذا فإنّ إدراج ابن الأثير وابن تيميّة وغيرهما في قائمة العلماء الكرد يحتاج إلى تفصيل لا يوفّره المنشور. والأغرب إدراج شخصيات مثل أحمد شوقي، عباس محمود العقاد، محمد عبده، عبد الباسط عبد الصّمد ضمن «عطاء الكرد». فهؤلاء شخصيّات مصريّة معروفة، ولا تُوجد قاعدة علميّة تجعلهم أكرادًا. وهنا سؤال بسيط: إذا كان للكرد هذا التاريخ العلميّ العظيم، فلماذا نحتاج إلى تحويل علماء مصريّين وعرب إلى أكراد؟ هذا لا يخدم القضيّة الكرديّة، بل يُضعِفها. يذكر المنشور أنّ للكرد لغتين رئيسيتين: البهدينيّة والسورانيّة. والأدقّ أن نقول إنّ الكرديّة مجموعة من اللهجات/اللغات الكرديّة، ومن أبرز مجموعاتها الكرمانجيّة والسورانيّة، إضافة إلى مجموعات أخرى مثل الكرديّة الجنوبيّة، مع وجود نقاش لغويّ حول التصنيف الدقيق. فالكرمانجيّة والسورانيّة ليستا مُجرّد «لغة واحدة بلهجتين» في كلّ السياقات، بل تُوجد بينهما فروق لغوية واضحة. وهذا لا يقلّل من وحدة الهُوِيّة الكرديّة، بل يُوضّح تَنوّعها. المنشور يقول: إنّ 98% من الكرد مسلمون، وإنّ معظمهم شافعيّة. الصّحيح أنّ غالبيّة كبيرة من الكرد مسلمون، وخاصّة السنة، والشافعيّة مذهب مُهمّ بينهم، لكنّ الكرد ليسوا كتلة دينيّة واحدة، فهناك كرد سِنّة وشِيعة ويزيديون وأتباع معتقدات أخرى، كما تُوجد جماعات كرديّة عَلَويّة ويارسانيّة وغيرها. ومن الخطأ أيضًا وصف شعب كامل بأنّه «أنقى الشعوب عقديًّا» أو «أكثرها صفاءً»؛ فهذه أحكام دينيّة وقوميّة لا يُمكن إثباتها إحصائيًّا، كما أنّها لا علاقة لها بتعريف الكرد كشعب، بل هي نوع من المُغالاة التي تميل إلى الجانب العنصريّ. وصف كردستان بأنّها منطقة جبليّة جميلة، وأنّ فيها أنهارًا وغابات وزراعة وثروات، صحيح في الجملة. كما أنّ أجزاء واسعة من مناطق الكرد غنيّة بالنفط والغاز والمياه والزراعة، وخاصّة في العراق. لكنّ بعض الأرقام الواردة في المنشور حول النفط واليورانيوم تحتاج إلى مصادر دقيقة، ولا يصحّ القول إنّ «معظم نفط العراق» أو «غالب نفط سوريا» من كردستان من دون تحديد المقصود جغرافيًّا وإحصائيًّا. أما الحديث عن أنّ المرأة الكرديّة أفضل حالاً من المرأة الغربيّة بناء على دراسة فرديّة قديمة، فلا يُمكن تعميمه على ملايين النساء، ولا يصحّ تحويل تجربة اجتماعيّة محدودة إلى حكم على «المرأة الكرديّة» أو «المرأة الغربيّة» عمومّا. وهنا نصل إلى الجزء الذي يجب ألّا يُضيّع بسبب الأخطاء التاريخية. الكرد تعرّضوا بالفعل لمظالم واضطهادات موثّقة في عدد من دول المنطقة. ففي العراق، كانت حملة الأنفال 1988 من أخطر الجرائم التي تعرّض لها الكرد، وشملت القتل الجماعيّ والاختفاء القسريّ وتدمير القرى والتهجير واستخدام الأسلحة الكيميائيّة. وقد وثّقت Human Rights Watch على نحو واسع هذه الحملة، ووصفتها بأنّها شملت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانيّة وإبادة جماعيّة. أمّا حلبجة في 16 آذار/مارس 1988، فقد وثّقت Human Rights Watch الهجوم الكيميائيّ العراقيّ الذي قتل آلاف المدنيّين، وتقدّر المصادر التي جمعتها المنظمة عدد الضحايا بنحو 3,200 إلى 5,000 قتيل. إذن لا حاجة للمبالغة هنا. الأنفال وحلبجة حقيقتان مأساويتان موثّقتان، ومن حقّ الكرد أن يتذكّروهما وأن يُطالبوا بالعدالة. كذلك لا يمكن إنكار أنّ تاريخ الجمهوريّة التركيّة شهد مراحل من القمع والقيود على الهويّة واللغة الكرديّة، كما شهد صراعًا مسلّحًا بين الدولة التركيّة وحزب العمال الكردستانيّ منذ ثمانينيّات القرن العشرين. لكنّ الأرقام التي يُوردها المنشور، مثل القول إنّ الدولة التركيّة «حرقت أكثر من 1600 قرية»، تحتاج إلى تحديد مصدرها وفترتها ومنهج حسابها. ولا يجوز كذلك اختزال القضيّة الكرديّة في الدولة التركيّة وحدها أو تصوير حزب العمال الكردستانيّ كأنّه طرف غير موجود في المعادلة، فالصّراع كان بين دولة وحركة مُسلّحة، وارتكبت أطراف الصراع انتهاكات بحقّ المدنيّين. أمّا الكرد في إيران، فلهم تاريخ سياسيّ معقّد أيضًا، إذ واجهت الحركات الكرديّة الإيرانيّة صراعات مع الدولة، كما توجد اختلافات دينيّة بين مناطق كرديّة سنّيّة ومناطق كرديّة شيعيّة. لذلك فإنّ تفسير كلّ ما تعرّض له الكرد الإيرانيون بأنّه بسبب كونهم «كردًا» أو «أهل سنُة» فقط، تبسيط لا يستوعب تعقيدات السياسة الإيرانيّة والحركات الكرديّة والصراعات الإقليميّة. وفي سوريا تُوجد قضيّة حقيقيّة ومُوثقة تتعلُق بحرمان أعداد كبيرة من الكرد من الجنسيّة بعد إحصاء الحسكة سنة 1962. تُشير المفوضيّة الساميّة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أنّ نحو 300 ألف كرديّ سوريّ حُرموا من الجنسيّة آنذاك، وأنّ العدد انخفض لاحقًا نتيجة منح الجنسيّة، ولا سيّما بعد المرسوم 49 لعام 2011. إذن هذه القضيّة صحيحة في أصلها، لكنّ عرضها يحتاج إلى تحديث، لا إلى إبقاء أرقام قديمة وكأنّها تمثّل الوضع الحالي. فهل الكرد «آخر من رفع شعار القوميّة»؟ هذه أيضًا عبارة تحتاج إلى الحذر. القوميّة الكرديّة بصورتها الحديثة لم تظهر فجأة بعد الحرب العالميّة الأولى، لكنّها تطوّرت تدريجيًّا في أواخر العهد العثماني والقرن العشرين، وتأثّرت بالتحوّلات القوميّة في المنطقة وأوروبا. كما أنّ الحركات الكرديّة لم تكن كلّها على موقف واحد من الانفصال والاستقلال، فبعضها طالب بالاستقلال، وبعضها بالحكم الذاتي، وبعضها بالمساواة والحقوق الثقافيّة ضمن الدولة القائمة. ولهذا فإنّ القول إنُ الكرد «لم يسعوا يومًا إلى الانفصال» غير دقيق، كما أنّ القول إنّهم جميعًا كانوا يسعون إليه غير صحيح أيضًا. الكرد من أكبر الشعوب التي لا تمتلك دولة قوميّة مستقلّة باسمها، وهذا وصف شائع ومقبول في الدراسات العامّة. لكنّ الأرقام الدقيقة لعدد الكرد في تركيا وإيران والعراق وسوريا والشّتات تختلف بشدّة بسبب غياب إحصاءات قوميّة موحّدة في بعض هذه الدول. لذلك فإنّ أرقام 20 أو 25 مليونًا في تركيا، و8 أو 10 ملايين في إيران، وغيرها، ينبغي عرضها باعتبارها تقديرات لا حقائق إحصائيّة نهائيّة. أمّا عن الحلول السياسية، فالمنشور يطرح خمسة حلول: الدولة الكرديّة المستقلّة، والفيدراليّة، والإدارة الذاتيّة، والحقوق الدستوريّة، والحلّ الإسلاميّ. وهنا أيضًا لا بدّ من التفريق بين وصف الخيارات السياسيّة وبين تحويل أحدها إلى حكم تاريخيّ أو أخلاقيّ. فالدولة المستقلّة مشروع سياسيّ له أنصاره. والفيدراليّة تجربة قائمة في إقليم كردستان العراق ضمن الدولة العراقيّة. والإدارة الذاتيٍة صيغة سياسيّة ظهرت في مناطق كرديّة من سوريا، ثم انتهت بالاندماج في الدولة السوريّة الجديدة. والحقوق الثقافيّة واللغويّة والدستورية مطلب لدى تيارات كرديّة مختلفة. أمّا الحل الإسلاميّ، فهو تصوّر لدى بعض التيّارات الإسلاميّة، لكنّه لا يمثّل بالضرورة الموقف السياسيّ للكرد عمومًا. ولا يمكن القول إنّ هناك «حلًّا كرديًّا واحدًا»، فالكرد أنفسهم يختلفون في رؤيتهم السياسيّة كما تختلف الشعوب الأخرى. المشكلة في المنشور ليست أنّه تحدّث عن الكرد أو دافع عن حقوقهم. مِن حقّ الكرد أن يَعرفوا تاريخهم، ومِن حقّهم أن يُطالبوا بحقوقهم، ومِن واجب المؤرّخ أن يُوثّق ما تَعرّضوا له من ظلم المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الدفاع عن شعب إلى إعادة كتابة التاريخ لصالحه. فلا يجوز أن يُصبح كلّ مَن عاش في كردستان كرديًّا، ولا كلّ اسم يَشبه كلمة كرديّة اسمًا كرديًّا، ولا كلّ شخصيّة عظيمة في التاريخ الإسلاميّ كرديّة، ولا كلّ شعب قديم في المنطقة سلفًا مباشرًا للكرد. وفي المقابل، لا يجوز أن نستغلّ أخطاء بعض الروايات القوميّة لإنكار حقيقة الشعب الكرديّ أو إنكار جرائم وقعت بحقّه. صلاح الدين كرديّ، وهذا ثابت. والكرد شعب عريق، وهذا ثابت. ولهم لغة وثقافة وتاريخ، وهذا ثابت. وتعرّضوا لمظالم جسيمة في العصر الحديث، وهذا ثابت وموثّق. لكن إبراهيم ليس كرديًّا لمجرّد أنّ قصته وقعت في منطقة يسكنها الكرد اليوم، ونمرود ليس كرديًّا لأنّ اسمه أُعطي تفسيرًا كرديًّا، وأحمد شوقي ومحمد عبده والعقاد وعبد الباسط ليسوا أكرادًا لمجرّد إدراجهم في قائمة قوميّة. إنّ الحقيقة لا تنتقص من أحد. بل إنصاف الكرد الحقيقيّ يبدأ من إنصاف تاريخهم، وإنصاف التاريخ يبدأ من التّمييز بين الوثيقة والرواية، وبين الحقيقة والأسطورة، وبين الجغرافيا والنّسب، وبين التاريخ القديم والقوميّة الحديثة. فإذا كانت القضيّة الكرديّة عادلة في بعض مطالبها، فإنُها لا تحتاج إلى تاريخ مُختَلَق. وإذا كانت هناك مظالم ارتكبت بحق الكرد، فالأدلة الموجودة عليها تكفي لإدانتها. لا نحتاج إلى إبراهيم الكردي كي نحترم الكرد، ولا إلى تحويل كل عالم عظيم إلى كردي كي نعترف بإسهامهم. يكفي أن نضع التاريخ أمامنا كما هو: بإنجازاته وأخطائه، وبمآسيه وانتصاراته، وبحقائقه التي لا تحتاج إلى مبالغة. |
| الساعة الآن 08:00 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke