![]() |
قرأت هذا الصباح منشورًا للسيّدة كوثر سمعان شارَكَتْه معي ومع آخرين من متابعيها، وبعد
قرأت هذا الصباح منشورًا للسيّدة كوثر سمعان شارَكَتْه معي ومع آخرين من متابعيها، وبعد قراءتي المتأنية لمضمونه أجبت على تساؤلها بما يلي:
تحوّل الأحداث في سوريا إلى «ترند» لا يعني بالضرورة أنّ الحدث نفسه كبير بقدر حجم انتشاره على منصّات التواصل. فالترند هو في كثير من الأحيان نتيجة تفاعل مُعقّد بين أهمية الحدث من جهة، وآليات المنصّات الرقمية من جهة أخرى. في الحالة السورية، يُمكن القول إنّ منصّات التواصل تعكس الواقع وتضخّمه في الوقت نفسه. فهي تعكس اهتمامًا حقيقيًّا لدى الناس بقضايا سياسية واجتماعية وخَدَمِيّة تَمَسّ حياتهم اليومية، لكنّها في المقابل قد تمنح بعض الأحداث زخمًا يفوق وزنها الموضوعي، نتيجة سرعة التداول، وطريقة صياغة المحتوى، والمنافسة على المشاهدات والتفاعل. فالحدث هو نقطة البداية، لكنّه لا يحدّد وحده حجم الترند. فقد تكون هناك قضية مهمّة جدًّا لا تَحظى بالانتشار بسبب غياب المادّة البصرية أو ضعف التغطية أو عدم توافقها مع اهتمامات الجمهور في تلك اللحظة. وفي المقابل، قد تنتشر حادثة محدودة لأنّ مقطعًا قصيرًا منها أثار التعاطف أو الغضب أو الفضول. وهنا يظهر الدور الكبير لصانع المحتوى. فهو لا ينقل الحدث دائمًا بصورة مُحايدة، بل يختار عنوانًا وزاويةً وصورةً وطريقةَ سردٍ، وكلّ عنصر منها يُمكن أن يرفع مستوى التفاعل. ومع إعادة النشر والتعليق والمشاركة، تنتقل القصة من مجرّد «حدث» إلى «قضية رأي عامّ رقمية». أمّا الخوارزميات، فهي لا تَقيس بالضرورة أهمية القضية بمعايير الصحافة التقليدية، بل تهتمّ بدرجة التفاعل وسرعته ومدّة بقاء المستخدمين أمام المحتوى. لذلك قد يُصبح المحتوى المُثير للجدل أكثر انتشارًا من المحتوى الأكثر أهمية، لأنّ ما يُحرّك الانفعال غالبًا ينتشر أسرع ممّا يحتاج إلى قراءة أو تحليل هادئ. لكن من الخطأ أيضًا النظر إلى كلّ ترند باعتباره تَضخيمًا مُصطنعًا. أحيانًا يكون الترند انعكاسًا حقيقيًّا لمشكلة كانت موجودة لكنّها لم تجد طريقها إلى النقاش العامّ. وهنا تؤدي المنصّات وظيفة مهمّة، لأنّها تمنح المواطنين مساحة لإظهار قضاياهم والضغط من أجل معالجتها، خصوصًا في الملفات الخدمية والاجتماعية. لذلك فإنّ السؤال الأدقّ ليس: «هل الترند حقيقيّ أم مضخّم؟»، وإنّما: ما العلاقة بين حجم الحدث وحجم حضوره الرقمي؟ ومَن الذي يصنع هذا الفارق؟ في تقديري، الترند السوري هو نتيجة أربعة عناصر متداخلة: حدث حقيقي، وصانع محتوى يُقدّمه ضمن سردية معينة، وجمهور يمنحه التفاعل، وخوارزمية تقرّر إلى حدّ كبير مدى اتّساع دائرة وُصوله. وتبقى مسؤولية الإعلام والصحفيّ وصانع المحتوى كبيرة في التمييز بين «الانتشار» و«الأهمية». فعدد المشاهدات لا يجعل الخبر أكثر أهمّيةً، وعدد المشاركات لا يجعله أكثرَ صدقيةً. وفي المقابل، لا ينبغي للإعلام أن يتجاهل قضية لمجرّد أنّها بدأت على وسائل التواصل، بل عليه أن يتحقّق منها ويضعها في سياقها ويقدّم للجمهور ما يتجاوز المقطع المتداوَل والانطباع السريع. ومن هنا يُمكن القول إنّ منصّات التواصل في سوريا أصبحت جزءًا من عملية تشكيل الرأي العامّ، لكنّها ليست مرآة كاملة للواقع. إنّها مرآة تعكس بعض الواقع، وعدسة تكبّر بعض تفاصيله، وخوارزمية تُعيد ترتيب ما يراه الجمهور. ولهذا فإنّ التعامل مع الترند يحتاج إلى وعي إعلامي ورقمي: أن نسأل ليس فقط «ما الذي يتصدّر المنصّات؟»، بل أيضًا «لماذا تَصَدّر؟ ومَنْ دفعه إلى الواجهة؟ وما الذي لا نراه رغم أهميته؟». فؤاد زاديكي |
| الساعة الآن 02:29 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke