![]() |
حدود المعرفة بين اليقين والنقل: نقد مفهوم “العلم” في الرواية الدينية والتاريخية
حدود المعرفة بين اليقين والنقل: نقد مفهوم “العلم” في الرواية الدينية والتاريخية الباحث: فؤاد زاديكي تقوم الإشكالية الأساسية في هذا البحث على التمييز بين نوعين من المعرفة: المعرفة العلمية التجريبية التي تعتمد على الملاحظة والاختبار وإعادة التحقق، والمعرفة النقلية التي تعتمد على الرواية البشرية عبر الزمن. ويظهر هذا التمييز بوضوح عند مناقشة مفهوم “العلم” كما يُستخدم في السياق الديني التقليدي، وخاصة في وصف “علماء الدين” أو في اعتماد الأحاديث النبوية كمصدر للمعرفة. يذهب بعض الاتجاهات النقدية إلى أن مصطلح “العلم” ينبغي أن يُحصر في نطاقه الحديث الدقيق، أي في العلوم التجريبية التي تقوم على المنهج القابل للتحقق والتكرار. وبناءً على هذا التصور، فإن إطلاق لفظ “عالم” على المتخصصين في العلوم الدينية يعد استخدامًا غير دقيق، لأن هذه التخصصات لا تعتمد على التجربة المباشرة أو القوانين القابلة للاختبار، بل على التأويل النصي والنقل التاريخي والاجتهاد اللغوي. ومن هذا المنطلق، تُفهم المعرفة الدينية بوصفها معرفة إنسانية تأويلية، وليست علمًا بالمعنى التجريبي الصارم. فهي تعتمد على النصوص والروايات والتفسير، وليس على التجربة المادية القابلة للإثبات المتكرر. وبذلك فإنها تدخل ضمن نطاق المعرفة، لكنها لا تنتمي إلى العلم الطبيعي كما هو محدد في المنهج العلمي الحديث. وفي سياق نقد الرواية الدينية، وخاصة الأحاديث النبوية، يُطرح إشكال جوهري يتعلق بموثوقية النقل عبر الزمن. إذ إن كثيرًا من هذه الروايات لم تُدوَّن في زمنها الأول، بل نُقلت شفهيًا ثم جُمعت ودُوِّنت بعد مرور عقود طويلة، قد تصل إلى قرنين أو أكثر. وهذا يفتح الباب لاحتمالات متعددة مثل النسيان، والتغيير، والزيادة، والنقص، وسوء الفهم، أو حتى الوضع المتعمد. وبناءً على هذا التصور، يُثار التساؤل حول إمكانية الاعتماد على مثل هذه الروايات كمصدر ثابت للمعرفة. فغياب الشهود المباشرين، وطول الفاصل الزمني، وتعدد سلاسل النقل، كلها عوامل تجعل النصوص المنقولة عرضة للتحول وعدم الاستقرار. ومن ثم فإن الاعتماد عليها كحقائق يقينية ثابتة يبدو، من هذا المنظور، غير مبرر من الناحية المنطقية الصارمة. ومع ذلك، فإن هذا النقد لا يعني بالضرورة نفي وجود منهج نقدي داخل علوم الحديث، إذ إن هذه العلوم طورت عبر التاريخ أدوات لتقييم الروايات، مثل دراسة السند، ونقد الرواة، وتمييز درجات الصحة والضعف. غير أن هذا المنهج يظل، في جوهره، قائمًا على الترجيح الاحتمالي لا على اليقين التجريبي، لأنه يتعامل مع أخبار تاريخية غير قابلة للتحقق المباشر. وبالتالي، يمكن القول إن المعرفة الناتجة عن هذه المنظومات ليست معرفة يقينية مطلقة، بل معرفة احتمالية تعتمد على تقييم مصادر بشرية عبر الزمن. وهذا ما يجعلها مختلفة نوعيًا عن العلوم التجريبية التي تقوم على إعادة الاختبار والتحقق المباشر. وفي ضوء ذلك، يظهر أن الإشكال ليس فقط في مصطلح “العلم”، بل في طبيعة المعرفة نفسها: هل يُشترط في المعرفة أن تكون يقينية ثابتة حتى تُقبل، أم أن الترجيح الاحتمالي كافٍ في مجالات التاريخ والنقل واللغة؟ إن الموقف النقدي الصارم يميل إلى رفض الاعتماد على الروايات الطويلة السند بوصفها سندًا ثابتًا للمعرفة، بينما ترى المقاربات المعرفية الأوسع أن الإنسان لا يملك في مجالات التاريخ إلا العمل ضمن حدود الاحتمال والترجيح، لا اليقين المطلق. وبذلك، يبقى التمييز الأساسي قائمًا بين نوعين من المعرفة: معرفة تجريبية تقوم على التحقق المباشر، ومعرفة نقلية تقوم على الرواية والتفسير، ولكل منهما حدوده ومنهجيته وإمكاناته. وفي النهاية، فإن النقاش حول “العلم” و“المعرفة الدينية” لا يتعلق فقط بالألفاظ، بل بطبيعة اليقين الإنساني وحدوده، وبمدى إمكانية بناء معرفة ثابتة عن الماضي في ظل اعتمادها على النقل البشري عبر الزمن. |
| الساعة الآن 05:09 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke