![]() |
ابْنُ خَلْدُونَ وَنَظَرَتُهُ لِلْعَرَبِ وَمَسْأَلَةُ الْخَرَابِ فِي سِيَاقِ الْعُمْرَ
ابْنُ خَلْدُونَ وَنَظَرَتُهُ لِلْعَرَبِ وَمَسْأَلَةُ الْخَرَابِ فِي سِيَاقِ الْعُمْرَانِ الْبَاحِث: فُؤَاد زَادِيكي يُعَدُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، الْمَعْرُوفُ بِـابن خلدون، أَحَدَ أَبْرَزِ الْمُفَكِّرِينَ فِي التَّارِيخِ وَالْعُمْرَانِ، وَقَدْ قَدَّمَ فِي المقدمة نَظَرِيَّةً شَامِلَةً فِي فَهْمِ قِيَامِ الدُّوَلِ وَسُقُوطِهَا، قَائِمَةً عَلَى مَفْهُومِ العصبية وَدَوْرِ الْبَدَاوَةِ وَالْحَضَارَةِ فِي تَطَوُّرِ الْعُمْرَانِ الْبَشَرِيِّ. يَظْهَرُ فِي تَحْلِيلِهِ أَنَّ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنْ نَظَرَاتٍ حَادَّةٍ حَوْلَ الْعَرَبِ لَا يُفْهَمُ كَحُكْمٍ عِرْقِيٍّ أَوْ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ كَوْصْفٍ لِنَمَطٍ اجْتِمَاعِيٍّ يَسُودُ فِي الْبَدْوِ فِي زَمَنِهِ. فَقَدْ رَأَى أَنَّ أَهْلَ الْبَدْوِ - وَفِي سِيَاقِهِ التَّارِيخِيِّ يُشِيرُ إِلَى الْعَرَبِ - يَتَّسِمُونَ بِقُوَّةِ الْبَأْسِ وَالِاسْتِقْلَالِ وَقِلَّةِ الِاسْتِقْرَارِ، وَأَنَّهُمْ أَبْعَدُ عَنِ الصَّنَائِعِ السِّيَاسِيَّةِ الْمُنَظَّمَةِ، الَّتِي تَقُومُ عَلَى الْمُؤَسَّسَاتِ وَالدَّوْلَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ. وَمِنْ أَشْهَرِ مَا يُنْقَلُ عَنْهُ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ قَالَ: «العَرَبُ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ سِيَاسَةِ الْمُلْكِ»، وَيُفْهَمُ هَذَا عِنْدَهُ فِي إِطَارِ تَحْلِيلِهِ لِطَبِيعَةِ الْبَدْوِ، لَا عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ مُطْلَقٌ عَلَى قَوْمٍ بِذَاتِهِمْ. كَمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: «العَرَبُ لَا يَحْصُلُ لَهُمُ الْمُلْكُ إِلَّا بِصِبْغَةٍ دِينِيَّةٍ مِنْ نُبُوَّةٍ أَوْ أَثَرٍ دِينِيٍّ عَظِيمٍ»، وَهُوَ يَرْبِطُ فِيهِ بَيْنَ قُوَّةِ الدِّينِ وَتَوْحِيدِ الْعَصَبِيَّةِ، الَّتِي تُمَكِّنُ مِنْ قِيَامِ الدَّوْلَةِ، كَمَا حَدَثَ فِي زَمَنِ النّبي محمّد. وَيَرِدُ أَيْضًا عِنْدَهُ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ: «إِذَا تَغَلَّبَ الْعَرَبُ عَلَى أَوْطَانٍ أَسْرَعَ إِلَيْهَا الْخَرَابُ»، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُثِيرُ جَدَلًا كَبِيرًا، لَكِنَّهَا فِي مَفْهُومِهِ لَا تَعْنِي أَنَّ وُجُودَ الْعَرَبِ سَبَبٌ لِلْخَرَابِ، بَلْ تَصِفُ حَالَةً تَارِيخِيَّةً تَحْصُلُ عِنْدَ انْهِيَارِ الدَّوْلَةِ وَظُهُورِ حُكْمِ الْبَدْوِ دُونَ إِدَارَةٍ حَضَرِيَّةٍ مُنْظَّمَةٍ، أَيْ إِنَّ الْعِلَاقَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ هُوِيَّاتِيَّةً بَلْ سُوسْيُولُوجِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِبِنْيَةِ الْعُمْرَانِ وَتَحَوُّلَاتِهِ. وَيُؤَكِّدُ فِي نَظَرِيَّتِهِ أَنَّ الْبَدَاوَةَ تَمْلِكُ قُوَّةَ الْعَصَبِيَّةِ وَالشَّوْكَةِ، بَيْنَمَا يَفْتَقِرُ الْحَضَرُ إِلَى هَذِهِ الْقُوَّةِ مَعَ تَوَغُّلِ التَّرَفِ، وَمِنْ ثَمَّ يَتَشَكَّلُ عِنْدَهُ نِظَامٌ دَوْرِيٌّ: بَدَاوَةٌ قَوِيَّةٌ تَقُومُ بِإِسْقَاطِ دَوْلَةٍ قَائِمَةٍ، ثُمَّ تُؤَسِّسُ دَوْلَةً جَدِيدَةً، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَضَارَةٍ، ثُمَّ تَضْعُفُ، وَهَكَذَا يَتَكَرَّرُ مَسَارُ التَّارِيخِ. وَبِذَلِكَ، فَإِنَّ مَا يُنْسَبُ إِلَى ابْنِ خَلْدُونَ مِنْ وَصْفٍ قَاسٍ لِلْعَرَبِ يَجِبُ فَهْمُهُ ضِمْنَ نَظَرِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ شَامِلَةٍ لِفَهْمِ الدَّوْلَةِ وَالْعُمْرَانِ، وَلَيْسَ كَحُكْمٍ قِيمِيٍّ أَوْ عِرْقِيٍّ، فَهُوَ يَدْرُسُ ظَوَاهِرَ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ بِمَا فِيهِ مِنْ بَدَاوَةٍ وَحَضَارَةٍ وَتَحَوُّلٍ دَائِمٍ، لكنّهُ معَ ذلكَ، فَهوَ لا يَبتَعِدُ عن نظرةٍ مَوضوعيَّةٍ، فَمَنْ يَرى أحوالَ العربِ ومَا هُم عليهِ مِن تخلّف وتَقَهْقُر، وبُعدٍ عن أغلبٍ مظاهرِ التّقدّمِ والتّطوّرِ التّكنولوجيّ والعِلمِيّ والإجتماعيّ والحَضارِيّ، حتّى السّياسيّ، يَفهَمُ ويَتَفَهّمُ رأي ابنِ خلدون فيهم. وصَدَقَ مَنْ قالَ عنهم: يا أمّةً ضَحِكَتْ مِنْ جهلِها الأُمَمُ. __________________ |
| الساعة الآن 05:42 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke