![]() |
أجْهِزَةُ الرّقَابةُ التُّركيّةِ و حقيقةُ تَجَاهُلِهَا لِلوَاقِعِ بقلم: فؤاد زاديكي
أجْهِزَةُ الرّقَابةُ التُّركيّةِ و حقيقةُ تَجَاهُلِهَا لِلوَاقِعِ بقلم: فؤاد زاديكي سَمِعْنَا فِي الفَتْرَةِ الأَخِيرَةِ أَنَّ أَجْهِزَةَ الرِّقَابَةِ عَلَى المُسَلْسَلَاتِ التُّرْكِيَّةِ تَحَرَّكَتْ بِمُوجِبِ شَكَاوَى مُوَاطِنِينَ أَتْرَاكٍ حَوْلَ بَعْضِ الأَعْمَالِ الَّتِي تُظْهِرُ المُجْتَمَعَ التُّرْكِيَّ بِصُورَةِ الاِنْفِصَالِ الأَخْلَاقِيِّ وَالأُسَرِيِّ، فَقَامَتِ الجِهَاتُ المَعْنِيَّةُ بِإِيقَافِ بَعْضِ المُسَلْسَلَاتِ وَفَرْضِ غَرَامَاتٍ عَلَى شَرِكَاتِ الإِنْتَاجِ لِمُسَلْسَلَاتٍ أُخْرَى، مِنْهَا «نِيرَانُ الحَسَدِ» الَّذِي يُعْرَضُ حَالِيًّا عَلَى قَنَاةِ إِمْ بِي سِي الرَّابِعَةِ وأنا وعائلتي نُتَابِعُهُ يَومِيًّا. فَهَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟ وَمَا التَّعْلِيقُ عَلَى ذَلِكَ؟ وَهَلْ مَا نَرَاهُ فِي هَذِهِ المُسَلْسَلَاتِ يُمَثِّلُ الوَاقِعَ بِعَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدِّرَامَا فِي أَيِّ مُجْتَمَعٍ تُعْطِي صُورَةً عَنْهُ؟ ثمّ مَا هِيَ حَقِيقَةُ إِجْرَاءَاتِ الرِّقَابَةِ عَلَى المُسَلْسَلَاتِ التُّرْكِيَّةِ وَعَلَاقَتُهَا بِصُورَةِ المُجْتَمَعِ فِي الدِّرَامَا؟ نُجِيبُ على جميعِ هذه التّسَاؤلاتِ بِتَحليلٍ مَوضُوعِيٍّ ورُؤيةٍ منطقيةٍ. فِي الوَاقِعِ، نَعَمْ، شَهِدَتْ تُرْكِيَا خِلَالَ الأَشْهُرِ الأَخِيرَةِ تَحَرُّكَاتٍ مِنَ الجِهَةِ الرَّسْمِيَّةِ المُخْتَصَّةِ بِمُرَاقَبَةِ البَثِّ التِّلْفِزْيُونِيِّ، وَذَلِكَ اسْتِنَادًا إِلَى شَكَاوَى قُدِّمَتْ مِنْ بَعْضِ المُشَاهِدِينَ حَوْلَ مَشَاهِدَ أَوْ مَضَامِينَ رَأَوْا أَنَّهَا لَا تَنْسَجِمُ مَعَ القِيَمِ الأُسَرِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ فِي المُجْتَمَعِ. وَقَدْ تَمَثَّلَتِ الإِجْرَاءَاتُ فِي فَرْضِ غَرَامَاتٍ مَالِيَّةٍ عَلَى بَعْضِ القَنَوَاتِ أَوِ الشَّرِكَاتِ المُنْتِجَةِ، وَفِي بَعْضِ الحَالَاتِ تَوْجِيهِ إِنْذَارَاتٍ أَوْ إِيقَافٍ مُؤَقَّتٍ، وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ مَنْعًا شَامِلًا لِكُلِّ العَمَلِ الدِّرَامِيِّ. وَقَدْ طَالَتْ هَذِهِ الإِجْرَاءَاتُ مُسَلْسَلَ «نِيرَانِ الحَسَدِ» بِسَبَبِ مَشَاهِدَ تَتَعَلَّقُ بِالعَلَاقَاتِ الأُسَرِيَّةِ المُتَوَتِّرَةِ أَوِ الخِيَانَةِ، وَالَّتِي رَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تُقَدِّمُ صُورَةً سَلْبِيَّةً عَنِ المُجْتَمَعِ. أضيفُ إلَى هذَا أنّ جميعَ المُسلسلاتِ التّركيّةِ تَكثُرُ فيها حالَاتُظُهُورِ هذا الإنحلالِ الخُلُقِي والخلل في العلاقاتِ الزّوجيّة، ومهما حاولتْ هذهِ الأجهزةُ الرّقابيّة المَنعَ أو فَرضَ الغَراماتِ الماليّة، فإنّ هذا لن يُغَيّرَ من الواقع في أيّ شيء. يجبُ معالجة المشكلة وليسَ الأسباب، والأنثى من ذلك انّ هذه المجتمعاتِ العربيةَ توجّهُ أصابع الاتّهام للدول الغربية وأمريكا لتصفَها بأنّها مُنحَلّة أخلاقيًّا، وهذا ما يُضْحِكُ أكثر. أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِفِكْرَةِ أَنَّ الدِّرَامَا تُمَثِّلُ الوَاقِعَ بِعَيْنِهِ، فَالمَسْأَلَةُ أَكْثَرُ تَعْقِيدًا. فَالدِّرَامَا غَالِبًا مَا تَسْتَمِدُّ مَوَاضِيعَهَا مِنَ الوَاقِعِ الاِجْتِمَاعِيِّ، وَتُعَالِجُ قَضَايَا مَوْجُودَةً فِعْلًا، لَكِنَّهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تُضَخِّمُ الأَحْدَاثَ وَتُرَكِّزُ عَلَى الجَوَانِبِ الصِّرَاعِيَّةِ وَالإِثَارِيَّةِ لِجَذْبِ المُشَاهِدِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَهِيَ لَا تَنْقُلُ الوَاقِعَ نَقْلًا حَرْفِيًّا، بَلْ تُقَدِّمُ تَفْسِيرًا دِرَامِيًّا لَهُ، قَدْ يَكُونُ جُزْءًا مِنَ الحَقِيقَةِ وَلَيْسَ كُلَّهَا. كَمَا أَنَّ المُجْتَمَعَ التُّرْكِيَّ، كَغَيْرِهِ مِنَ المُجْتَمَعَاتِ، يَضُمُّ أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الأُسَرِ وَالأَفْكَارِ وَأَسَالِيبِ الحَيَاةِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ نَعُدَّ مَا تُظْهِرُهُ بَعْضُ المُسَلْسَلَاتِ صُورَةً شَامِلَةً لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ. وهُنا أقولُ: لطالَما هذه هي السّمةُ الغالبةُ، فهي دليلٌ أكيد على صورةِ ما يجرِي، مهما حاولَ البعضُ إغفال ذلك وتجاهله. وَيَبْقَى الجِدَالُ قَائِمًا بَيْنَ مَنْ يَرَى أَنَّ الرِّقَابَةَ ضَرُورِيَّةٌ لِحِمَايَةِ القِيَمِ العَامَّةِ، وَمَنْ يَعْتَبِرُ أَنَّ حُرِّيَّةَ الإِبْدَاعِ تَقْتَضِي السَّمَاحَ بِطَرْحِ مُخْتَلِفِ القَضَايَا دُونَ تَضْيِيقٍ. وَفِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، تَظَلُّ الدِّرَامَا مِرْآةً لِجُزْءٍ مِنَ الوَاقِعِ، وَفِي بَعْضِ الأَحْيَانِ أَدَاةً تُسْهِمُ فِي تَشْكِيلِ النِّقَاشِ الاِجْتِمَاعِيِّ وَتَأْثِيرِهِ، لَا مُجَرَّدَ نَقْلٍ سَاكِنٍ لِمَا هُوَ قَائِمٌ. احبّ أن أؤكدَ أنّ لهذهِ الآجراءاتِ غاياتٍ وأهدافًا سياسيةً، تَسعَى إلى خنقِ الحرّياتِ العامّةَ والتّضييقَ على أصحَابِ فكرِ التّنويرِ والإبداعِ، ولا أستغربُ أيّ شيءٍ يفعلُه النّظامُ الأردوغاني الإسلامَوي، الذي قمعَ ولأكثر من مرّة مُعارضيه بطرق مُختَلِفة، واتّهاماتٍ لا أساسَ لَها منَ الصّحّةِ. وما هذهِ الخُطوةُ إلّا محاولةً في هذا الاتّجاهِ، لأنّ الباطلَ يَخشَى من الحقّ، والفكرَ الظّلأميَّ لا يَقبلُ النّورَ. |
| الساعة الآن 12:36 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by
Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke