Forum of Fouad Zadieke

Forum of Fouad Zadieke (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/index.php)
-   خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/forumdisplay.php?f=277)
-   -   بين فِطنة "فؤاد" وحيرة "الجماد": غزوة الشّورتان الرقمية في هذه الاستراحة الفكرية، قر (http://www.fouadzadieke.de/vBulletin/showthread.php?t=51420)

fouadzadieke 14-02-2026 12:22 AM

بين فِطنة "فؤاد" وحيرة "الجماد": غزوة الشّورتان الرقمية في هذه الاستراحة الفكرية، قر
 
بين فِطنة "فؤاد" وحيرة "الجماد": غزوة الشّورتان الرقمية

في هذه الاستراحة الفكرية، قرّرتُ أن أُنَحِّي مجلّدات التّاريخ جانبًا، وأغمد قلم البحث قليلًا، لأخوض غمار تجربةٍ لا تخلو من ملامح "الكوميديا الرقمية". فبينما يظنّ العالم أنّ "الذكاء الاصطناعي" قد أحاط بكلّ شيء علمًا، شئتُ أنا — فؤاد زاديكي — أن أضعه في مأزقٍ لغويّ وتراثيّ، فاستدرجته إلى حلبة البحث بكلمة واحدة، هي من عيون موروثنا وجزالة لغتنا: (الشّورتان).
وقفتُ أمام خمسةٍ من "عباقرة العصر" من العقول السيليكونية، وكأنّي بسقراط يختبر حكماء أثينا. سألتهم السؤال نفسه، فارتعدت معالجاتُهم، واختلفت مشاربُهم، وجاءت إجاباتُهم كلوحةٍ سريالية تجمع بين التّناقض والغرابة:
1. الذّكاء الدبلوماسي (الحذِر):
أوّلهم جاءت إجابته كفراءِ الشتاء، فضفاضةً تغطّي كلّ شيء دون أن تحدّد معالم شيء! فزعم أنّ "الشّورتان" مجرّد مثنّى لـ "شَورَة"، وهي إمّا "رأيان" أو "مَشورَتان"، أو ربّما "دفعتان" من الفعل، تاركًا المعنى عائمًا في بحر الاحتمالات، وكأنّه يفسُر الماء بعد الجهد بالماء!
2. الذّكاء "المؤرخ" (المستنير):
أمّا الثاني، فكان أكثر وقارًا، إذ شدّ الرّحال نحو "طور عابدين" وأسوار "آزخ" العريقة، ليرى أنّ "الشّورتان" هم حُرّاس الأمن وحُماة الدّيار في الموروث السّرياني والآرامي. ورغم نبل هذا التفسير وعمقه التّاريخيّ، الذي نعتزّ به، إلّا أنّه في هذا السّياق "اللغوي" الخاصّ، كان يغرّد بعيدًا عن المعنى المقصود.
3. الذّكاء "القُماشي" (السّطحي):
ويا ليتني لم أسأل الثالث! فقد هبط بالمعنى من علياء التّراث إلى "خزانة الملابس"، زاعمًا بكل ثقة خوارزمية أنّ "الشّورتان" هما مثنّى "الشّورت" (السّروال القصير)! بل ولم يستبعد أن تكون الكلمة نوعًا من الطّعام أو اسم مكان مجهول، في خلطٍ عجيب بين الأصالة والحداثة.
4. الذّكاء "الرحّالة" (البوذي):
أمُا الرّابع، فقد ركب بساطًا سحريًّا طار به إلى قمم "الهيمالايا"، ليخبرني بوقارٍ مُضحك أنّ "الشورتان" (Chorten) هو مَبنًى دينيٌّ بوذيٌّ يُمثّل عقل بوذا المستنير! فَحَوَّل الكلمة من عبق منطقتنا إلى بخور التّبت وأديرة النيبال في شطحة خيالٍ لا تخطُر على بالٍ.
5. الذّكاء "الذوّاق" (المُصيب):
وكان الختام "دسمًا" مع الخامس، الذي وضع يدَه أخيرًا على الحقيقة البيضاء. فأشار إلى أنّ "الشّورتان" هو مُنتَج ألبانٍ تقليديّ (لبن الماعز المجفّف أو لبن البقر) المعروف في المطبخ الكردي والأرمني والسّرياني والآزخيّ، والذي ورد ذكرُه حتّى في الملاحم التّاريخية القديمة.
الخلاصة والنّتيجة:
لقد أثبتت هذه الرحلة أنّ "الذّكاء" الحقيقيّ ليس في تجميع البيانات، بل في إدراك "النّكهة" والأصل. فالحقيقة التي غابت عن معظمهم هي أنّ (الشّورتان) — كما نعرفها في تراثنا — هي تلك الكرات الصّلبة من اللبن المذوّب، التي تُعَدُّ الرّكن الأساس في طبخة "السّرْبِدَوِي" الشّهيرة، كشعب آزخ والجزيرة السوريّة، حيث تعانق تلك الكراتُ الجِرشَ (مَجرُوش الحنطة) المطبوخ، وتتوّج بالزّيت المغلي، لتُقَدّم لنا طبقًا من الهُوِيّة لا تدركه كلُّ مُعالجات العالم.
وهكذا، انتصرتِ "المعدةُ التراثيّة" على "العقولِ الرّقمية"، ويبقى التّاريخُ بمذاقه وبطولاته أمانةً في يدِ مَنْ يحفظُ أسرارَه ويُوَثّقُ حُقوقَه.
بقلم: فؤاد زاديكي
شاعر، باحث، ومؤرخ


الساعة الآن 12:16 AM.

Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke