يومُ عملٍ للشيطان

يومُ عملٍ للشيطان
 
أفاق الشيطانُ من نومه صبيحةَ أحد الأيام, فأسرعَ إلى المغسلةِ لغسل يديه و وجهه وبعد أن تناول طعام الإفطار, وقبل أن يغادر مخدعه قاصداً عالم الناس ليرمي بشباك شرّه يمنةً ويسرةً, ألقى بنظرة على وجهه البشع من خلال المرآة فرآها من أجمل الوجوه, وإلى ابتسامته الصفراء الخبيثة فخالها إشراقة شمس مبهجة في يوم ربيعيّ ساحر.
 
قلع عنه البيجامة و ارتدى لباساً أنيقاً يلفتُ إليه الأنظار ويخالُ كلُّ مَن يراه أنّه أحد المسئولين الكبار في الدولة أو أنّه رجل أعمال غنيّ, حيث كانت الزخارف تزيّن قميصه والروائح العطرة تفوح منه إلى مسافة أمتار بعيدة فتنعش مَن يملأ رئتيه منها.
 
خرج و هو يخطط لشرك يوقع به أوّل الناس الذين سيلتقي بهم وفيما هو يسير إلى جانب النهر إذ به يرى أخوين يعملان في صيد السّمك, وهو مصدر رزقهما الوحيد الذي يعيلُ كلٌّ منهما عائلته من خلال ما يعود عليهما هذا الصيد. ولاحظ الشيطان اللعينُ أنّ الأخوين جالسان ومرتاحان وهما يتبادلان أطراف الحديث عن بعض الأمور والأخبار وشؤون الدنيا وينتظران أن تنقر سنّارتهما ليقوما بجذبها خارج الماء علّها تحمل معها رزقاً يعود عليهما بنفع مادي يتمكنا بواسطته من شراء ما يلزم من حوائج البيت.
 
لم يُسرّ الشيطان لهذا الانسجام الكبير الذي يربط بين الأخوين فضاق ذرعاً بهما وقرّر أن يفعل شيئاً و إلاّ فإنه سيكون الخاسر الوحيد من استمرار هذه المحبة والتفاهم والانسجام بين الأخوين, وبعد طول تفكير ابتسم في نفسه كمن يقول وجدتها. دنا منهما مسلّماً عليهما فردّا عليه التحيّة بأحسن منها, وحين شاهداه بهذا الهندام الجميل وهذا الوقار الكبير الذي كان يبدو عليه نهضا من مكانهما خشية أن يكون مسئوولا أو شخصاً مهمّا, فما كان منه إلاّ أن ربّت على كتفيهما بلطف خبيث ومصطنع وهو يقول لهما تابعا عملكما فهذا هو باب رزقكما الوحيد أليس كذلك؟
 
ردّ عليه الأخ الأكبر: أجل! ولم يمهله الشيطان ليتكلّم أكثر فسأله: وأيٌّ منكما هو الأكثر نشاطاً؟ فقال الأخ الأصغر مجيباً: إنّ عملنا هذا لا يعتمد على النشاط بل على الحظ ويبدو أنّ لأخي في هذا المجال حظّاً أوفر منّي. ارتاح الشيطان لجواب الأخ الأصغر فقد شعر من خلاله بأن مهمته ستكون سهلة. فطرح سؤالا آخر يقول فيه: ولماذا لأخيك حظٌّ أكثر منك؟ أجاب الأخ الأصغر لا أدري لماذا! فردّ الشيطان: أمّا أنا فأدري السبب وأعرف كلّ شيء!
 
دُهش الأخوان من كلام الشيطان وفكّرا في أنّه رجل من مباحث أمن الدولة أو المخابرات, وكي لا تفشل خطّة الشيطان وتتمّ عمليته بنجاح فإنّه لم ينتظر طويلا إذ أجاب موضّحاً وشارحا السبب في أنّ الأخ الأصغر لم يكن في حياته مطيعاً لوالديه وأنّه كان يغضبهما بمشاكله الكثيرة وهو شابٌ يافع في بدايات شبابه غير المتّزن والعاقل ولهذا فقد دعت عليه أمّه كما أنّ أباه هو الآخر لم يكن راضياً عنه. ثارت حفيظة الأخ الأصغر و زاد غضبه وجرت الدماء في عروقه حارّة وهي تتأجج كبركان إلاّ أنّه لم يتفوّه ببنت كلمة وكتم كلّ ذلك في نفسه, فيما قام الأخ الأكبر بالتعليق على قول الشيطان على الفور: كيف عرفت هذا؟ كلّ ما قلته صحيح وإنّ أخي كان مزعجاً دائماً وكم حاولت ضربه لأثنيه عن تلك التصرفات غير أنّ محاولاتي كانت تذهب سدى, فهو شخص عنيد لا يقبل النصح ولا يسمع كلمة… وقبل أن يكمل كلامه نهره أخوه الصغير قائلا: كفى! كفى! كفى!ما هذا الهراء؟ وما الداعي لمثل هذا الكلام؟ لقد صار هذا من الماضي؟ لكنّ الأخ الأكبر غضب لكون أخيه الأصغر قابله بنبرة صوت عالية فيها الكثير من التحدّي وأمام هذا الشخص الغريب. تقدّم من أخيه ولطمه على خدّه ظنّاً منه بأن أخاه سيعتبره الأكبر ولن يقابله إلاّ بالطاعة فما كان من أخيه الصغير إلاّ أنْ أمسكه من صدره وجذبه إليه بقوة ثم أبعده عنه وهو ممسك برقبته.
 
حاول الأخ الأكبر التخلّص من قبضة أخيه الفولاذيّة والتي كانت تتحدث عن كراهية وحقد عميقين ظهرا فجأةً و عن غيظ كبير لم يشعر به من قبل, واستمرّ الأخ الأصغر في ضرب أخيه ولطمه والضغط على عنقه حتى شعر بأن جسد أخيه ارتخى بين يديه وحين أبعد قبضة يده عن عنقه رآه يسقط على الأرض دون حراك, أصيب بذهول وحاول جس نبض أخيه والتأكد من أنّه لم يصب بأذى فلم يكن غير التأكد من الوفاة التي سبّبها ذلك الضغط غير الواعي والشديد من قبضة يده على عنق أخيه. نظر إلى حوله فلم ير الشخص الذي كان قبل قليل يحاورهما و وجد نفسه وحيداً وخائفاً مرتعباً ممّا فعله فقد قتل أخاه بدون أي ذنب أو سبب! يا رب ماذا سأفعل لقد انتهت حياتي فالسجن سيكون مصيري وماذا سيقول الناس عنّي كلّما قابلني أحد هذا قتل أخاه! إنّه شعور فظيع لا أستطيع تحمّله لقد دمّرت حياة عائلة أخي وحياة عائلتي! ولم يعلم كيف أسرع إلى حبل السنّارة مربوطاّ بحبل كان لديه فصعد إلى شجرة قريبة وشنق نفسه واضعاً حدّا لتأنيب الضمير الشديد والعار الذي كان سيلاحقه كلّ العمر!
 
كان الشيطان يراقب كلّ الأحداث عن قرب وبعدما تأكد من موت الأخوين ضحك في عبّه وانفرجت أساريره وتابع طريقه ليقوم بعمل خبيث آخر في مكان آخر و مع أناس آخرين وهو يغنّي فرحاً:
 
يا سامع أقوال الناس
بايدك راح تخربْ بيتك
كبّر عقلك والإحساس
لو تاني مرّة جيتك!
أعجبك هذا؟ أنشر الخبر

بواسطة fouadzadieke