رأيتُ المسيح يبكي مرّتين!

رأيتُ المسيح يبكي مرّتين!
 
تناهى إلى سمعي أن المسيح قد جاء إلى الأرض, إلى دنيانا الفانية, وكنتُ أعتقد أن مجيئه الثاني لن يكون إلاّ في نهاية المطاف, عندما تُطفأ الأنوار, وتحلّ ظلمةٌ حالكةٌ في الكون, وتعصف الرعود والرياح وتتلاطمُ أمواجُ البحر بعواصف هائلة تعبّر عن خشوع ورهبة وفزع شديد!

سمعتُ أنك قدمت إلة هنا أيّها الابن السماوي الممجّد, ويا ربّ الأرباب الخالق, فرأيتُ أنّ رائحة الكون قد انبعث منها حريقٌ هائلٌ كأنّه ناجمٌ عن أفران جثث نتنة, يتمّ حرقها في أتون محرقة عظيمة, أحسستُ أنّ القمر لم يعد يتحرّك, وأنّ الشّمس أخفتْ بوجهها عن الأنظار خشية وحياءً لتحجب نفسها عن أنظار الربّ وبهاء مجده. نظرتُ إلى الطيور على اختلاف أنواعها تصمتُ وهي في حيرة ممّا حصل في هذا الكون, من انقلاب عجيب ومظهر غريب, علمتُ أنّ جميع الورود ورياحين البساتين, وكلّ المياه المتدفّقة من ينابيع الأرض, وكلّ حركة في الحياة قد جمدتْ في مكانها, وتحوّلتْ إلى هالة من الصمت القابع في عمق السكون, وكان النّور السماويّ يرشدُ الجميع إلى حيث مكان الابن, ربّ السّماء والأرض, ومالك المجد والجبروت.

قررتُ أن أذهب إليه مع مَنْ ذهب, لأتعرّف إليه عن قرب, لألمس أذيال ثوبه, لأكحّل عيني بمرأى جماله البهيّ, وأمتّع روحي ببهجة صفائه الذي كنتُ أتصوره عليه. لا أعرف كيف كانت سرعة خطاي, وهل تعثّرتُ أثناء مسيري واندفاعي مع هذا الجمع العظيم الذي اندفع يقصد رؤية الرب يسوع, وهو حلم لم نكن نتوقّع أن يصير حقيقة في يوم من الأيام! كانت موجات الشّعب القادم لرؤيته تتلاطم بين اندفاع وتراجع. إذ عرف الجميع أنّ الرب قدم إلى هذا المكان, وهو على موعد للقاء شعبه والتكلّم معه.

لم يكن الربّ جالسا في غرفة أو صومعة, ولا في معبد أو دير أو كنيسة, بل كان واقفاً في الهواء الطلق وهو يرفع يديه إلى أعلى ويشير إلينا لنقترب منه أكثر. كان في موضع يراه فيه الجميع, وشاء الجميع أن يتبرّكوا به. كنتُ أتوقّع أنْ ألمس في نظراته قوّة هائلة تفزعنا, وفي حركاته ما ينمّ عن جبروت العظام وهيبة الكبار, وفي كلماته ما يحمل معاني الحزم والتوثّب, وأنّ أراه على تلك الهيئة التي أرادها له الرسّامون والمصوّرون وبقيّة المشعوذين, ممّن دفعتهم خصوبة خيالهم المنبثقة من ضعف بشريّ غير محسودين عليه! إنّه لم يكن بتلك الهيبة ولا الهالة من الرّهبة, بل كان وديعاً هادئاً.

كنّا نجري إليه على الرغم من اتّساع المكان, ونتدافع قاطعين بلغطنا وثرثرتنا هدوء المكان, وكنّا نعبّر بحقّ عن واقع الإنسان القابع في أعماقنا, بضعفه وتشتّت أفكاره أمام عظمة كهذه وفي تلك اللحظات غير المحسوبة من عمر الزمن. نظرتُ إليه, مثلما كان ينظر الجميع, فرأيته يبكي, رأيناه وسمعناه يبكي! أجل رأينا ربّنا يبكي. يا لها من رهبة وعظمة! ويا له من خوف وقشعريرة تهزّ الأبدان! الرّبّ يبكي؟ هذا ما لم يكن أحدٌ منّا يتصوّره أو يتخيّل أن يكون! نعم رأيناه يذرف دموعاً, كما نزف دماءً وهو على خشبة الصليب, يدفع ثمن خطيئتنا, ويريحنا من نير عبوديّة مهلكة!

” أتبكي يا ربّ؟” بهذا النداء المؤلم, وبهذا الصّراخ العميق المتصاعد من آهات ولوعة الوجع المنغرس في نفوسنا وقلوبنا سألناه. وفوجئنا به يجيب! فوجئنا به يتكلّم وهو ما كنّا نتمنّى أن نسمعه منه.

“لماذا لا أبكي؟ … وهل في حياتكم ما يجعلني ألاّ أبكي عليه؟ … ولدتُ واحداً فجعلتموني اثنين … عشتُ واحداً فحمّلتموني عبء وزركم مرتين … صلبت ومتّ واحدا وها أنتم تميتونني مرتين وتقيمونني مرّتين … تدفنونني مرّتين وتضاعفون أحزاني أكثر من مرّة … فهل تريدونني بعد كلّ الذي تفعلونه معي ألاّ أبكي؟ … إنّ أكثر ما أخشاه أن تزيد حدود مناسباتكم عن المرّتين … أنا واحد في أبي ولستُ اثنين … ولن أكون إلاّ واحدا مهما طال الزمن … فلماذا تتوه سبلكم؟ … لماذا تصغرُ عقولكم؟ … لماذا تكبرُ أطماعكم؟ … لماذا تشذ نفوسكم؟ لماذا يزداد كذبكم عليّ في كلّ سنة مرّتين بدواعي الشرق والغرب … بدواعي التقويم الذي ليس من حساباتي في شيء … إنّي أبكي عليكم وعلى جهالتكم وضلال سبلكم وتعدّد مذاهبكم واختلاف رؤاكم وتشعّب مصالحكم وكأنّ مملكتكم هي من هذا العالم”.

ما أن أكمل الربّ كلامه, حتّى خرّت الجموع خاشعة, وأعلنت براءتها من كلّ ما هو حاصلٌ وكائن! إنّ في احتفالنا بذكراه تعدّ صارخ على هذه الذكرى, وهو براءٌ من كلّ ما نقوم به, وما يقوم به الكبار الذين يقودون خرافهم إلى ما يجعل المسيح يولد ويموت ويقوم مرّتين من كلّ عام! يريد المسيح أن يموت مرة واحدة ويموت مرة واحدة ويقوم مرّة واحدة كما فعل وكما كانت الحقيقة, وكل أمر آخر عدا ذلك هو إغضابٌ لمشيئته, لأنها مشيئة أرضيّة لا يريدها أن تكون. فإلى متى نجعل المسيح يبكي في كل عام مرّتين كما رأيناه يفعلُ اليوم؟ سؤالٌ قد لا يستطيع الصغار أمثالنا فعل شيء من أجله لأن إرادة الكبار هي العليا, وتبقى الخراف ضائعة في متاهات التقويمات وخزعبلات الروزنامات!

أعجبك هذا؟ أنشر الخبر

بواسطة fouadzadieke