خذوا الحكمة من سلوك المجانين

خذوا الحكمة من سلوك المجانين


قد يسخرُ أحدنا قائلا: كيف يمكنُ للمرء أنْ يأخذ حكمة من سلوك مجنون أو يستخلص عبرة من تصرّف معتوه؟ إنّه سؤالٌ يبدو معقولا للوهلة الأولى ومقبولا إلى حدّ ما. أمّا عندما يتوغّل المرءُ في مجاهل ما يحمله هذا القول ويدعو إليه هذا المثل أو هذه العظة أو الحكمة – سمّها ما شئت – من معنى وما يذهبُ إليه من مدلول فإن القول بهذا يكون صحيحاً لا غبار عليه ونافعاً في الوقت ذاته.
   فالشخصُ المعتوه أو المجنونُ أو الناقص عقلياً الخ… يكون تصرّفه على وجه العموم شاذاً أو ما يمكن إدراجه تحت مسمّى التّصرف غير السّويّ أو غير المستقيم فهو يخلط بين الأمور ولا يميّز السوي منها من غير السويّ ولا يستطيع فوق هذا كلّه أنْ يتّخذ قراراً صائباً معقولا يصرف عنه أنظار الاتهام ويكفّ عنه ألسنة التشهير به. من خلال ما يقوم به من تصرّفات وما يطرحه من أفكار يوجّه إليه النقد وتلاحقه التهمة لتنعته ببعض الصفات التي تصبّ في النهاية في هذا المنحى أي “إنّه شخصٌ مجنون” وليس لهذا أية علاقة بمقولة “الجنونُ فنون” لأنّ هذه المقولة الأخيرة تعكسُ صورة سلوكيّة الشخص في التعامل مع المواقف وهي تطلق على الأغلب على موقف فيه إيجابيّة ما تجعلنا نشعر بصحّة هذا التصرّف أو بقربه من الواقع في حال من الأحوال.

لكنْ أنْ يأخذ المرءُ الحكمةَ من سلوك المجانين وتصرفاتهم فهذا صحيح لأن الحكمة هي خلاصة تجارب حياتيّة واختبارات تبلورت معها قيمُ ومفاهيمُ فكريّة يستخلصها العاقل من مجمل هذه المواقف ليكوّن من خلالها له نهجاً أو سلوكاً أو محاذير يسترشد بها وطريقاً يسلكها من أجل أن يتجنّب الوقوع في متاهات غير واضحة المعالم والحكمة هي زبدة معرفة مجبولة بهذه الخبرات وعصارة وعي محكم ونيّر استهدى بما وصل هو أو غيره إليه من خلال ذلك.

أما ولكي تصحّ هذه المقولة فالمراد منها أنّ الشخص المقصود “المجنون” يفعل كلّ ما يستطيع فعله هلى سجية وعفويّة دون أمْ تكون هناك ضوابط أو أحكام أو خطوط لهذه السلوكية تقف عند حدّ معيّن منها أو حدود، وهو بهذا يجتاز كلّ الخطوط مهما كانت شدّة احمرارها ويكسر كلّ هذه الضوابط مهما كانت صارمة ويتجاوز جميع هذه القواعد مهما كانت ثابتة. وكبشر أسوياء وعقلاء فإننا بالتأكيد سنلاحظ عدم صوابية هذا السلوكيات وندرك مواضع النقص والاعوجاج فيها وكذلك الخروقات التي ما كان يجب أن تحصل ثمّ نحاول بلورة أفكارنا ورسم خطط نهجنا محوّلينها إلى تصرفات سليمة تنأى عن السلبيات التي مارستها تلك الشخصية الشاذة أو غير السويّة ومن خلال ذلك بالامكان التزام الموقف الصحيح الذي لا يتعارض مع الأعراف العامة ولا يتجاوزالقواعد السائدة والمعمول بها، وكلّما كان حسن التصرف مع هذا الموقف في تدارك الخطأ وعدم الوقوع فيه، كلّما كانت نظرية “أخذ الحكمة من سلوك المجانين” أكثر واقعيّة وأعمق صدقاً.

إنّ الشخص المجنون يتصرّف بدون وعي ولهذا علينا نحن أن نتصرّف بوعي. المجنون لا يميّز بين الخير والشرّ أو بين الصالح والطالح وعلينا نحن لهذا أن نميّز بينهما. المجنون لا يستطيع الاختيار والتوفيق بين الرغبة و الإرادة بينما الشخص العاقل والسويّ يستطيع فعل ذلك، وهذا هو الفارق الواضح بين هذين النوعين من البشر من خلال ما يمارسانه من سلوكية.

أجلْ بالإمكان أخذ الحكمة من سلوك المجانين وبموفقية ونجاح تامّ في الابتعاد عن الجهل وتجنّب الوقوع في التهلكة وتعلّم التزام الصواب وعمله من الأفكار والأعمال، وفي كلّ هذا تكمن الحكمة التي نأخذها من هؤلاء المجانين، وهي حكمة محترمة لأنها تختصر مشوار زمن من المعاناة والتعامل والتوازن حتّى يتمّ استخلاص العبر وربّما ندفع لذلك أثماناً مكلفة أما والحالة هذه فهي تأتي دون عناء تكون ساعدتنا في ذلك مراقبتنا لسوك وتصرف المجانين الذي يتناقض مع النظرة الواقعية والموضوعية للأشياء.

ليس غباءً أن نتعلّم من الأغبياء والحمقى والمغفّلين بل الغباء في ألاّ نتعلّم منهم – متى كان ذلك ممكناً – لنوفّر على أنفسنا درباً طويلة من الممارسة والمعاناة واستخلاص عبر جاهزة يكون فيها غنى ولهذا أقول إنّ الشخص الذي يتعلّم من أخطائه يكون عاقلا أما الذي يتعلّم من أخطاء غيره وأغلاطه فيكون حكيماً وعاقلا.

لقد سمعتم أنّه قيل: “خذوا الحكمة من أفواه المجانين”، أما أنا فأقول: “خذوا الحكمة من سلوك المجانين”!

الحكمة لا تأتي من فراغ بل من الممارسة والمماحكة والتعاطي ومن تدارك الأخطاء واستخلاص العبر من النتائج والسعي إلى تطبيق ما تمّ جمعه والحصول عليه من خبرات الحياة على الواقع المعاش لتسهيل عملية مرورها وتخفيف مخاطر توهانها لتصل إلى برّ الأمان المنشود وهو النجاح.


ألمانيا في 2005،06،20 م
أعجبك هذا؟ أنشر الخبر

بواسطة fouadzadieke