تعبتُ… أريدُ أنْ أرتاح

تعبتُ… أريدُ أنْ أرتاح
 
“قصة حقيقيّة عن خبر سمعته اليوم”
 
“تعبتُ… أريدُ أنْ أرتاحَ” كانت هذه آخر كلمات تلفّظ بها بعد سنوات عذاب و تشرّد و تعب و معاناة. رجل فقد جميع أهله فبقي وحيداً في هذا العالم, لم يحاول أحدٌ التعرّف عليه, لم يعينه أي إنسان, لم يفكر به شخص. كان هذا الرجل قد بلغ من العمر  ستين عاما, أنهكت السنينُ أعصابه و أتلفت أعضاءه و حطّمت سمعه و أضعفت بصره, فعاش مشرّدا, ينام على الأرصفة و أزقة الشوارع, كان من أهم أصدقائه في هذه الحياة الفقر و الحاجة و قسوة البرد و الحرمان و الجوع, هؤلاء كانوا أصدقاء أوفياء له, لم يتركوه بمفرده على آخر لحظة من حياته.
 
كان هذا الرجل يحاول اللجوء إلى ما يحميه من مطر غزير في أيام الشتاء و يعينه على تفادي جشع الصقيع و الثلوج التي أبت إلا أن تتغلغل في عظامه حتى بلغت منها مبلغا فصارت هشّة جدا. تعبَ.. حُرم من النوم أيّام كثيرة.. لم يجد شيئا يأكله أيام و أيام… لم يرَ عناية من مؤسسة أو جماعة أو لجنة دينية أو اجتماعية. كان أمضى السنوات الستّة الأخيرة من حياته, يلجأ إلى باحات بعض الكنائس لينام فيها, و أكثر أيام نومه كان يشاطر أرصفة الشوارع أينما بلغ منه النعاس مبلغه و سيطر عليه سلطانُ النوم.
 
نسي كثير من الناس أن المسيح قال لأمثاله تعالوا غليّ و أنا أريحكم, تعالوا إليّ أيها العطاشى و الجيّاع. لكم كلّ هذه النداءات لم يعمل بها كثيرون. لماذا؟ لا أحد يدري لكن الذي عرفه هو مَنْ حضر آخر مشوار حياته الحزين في هذه الدنيا, حين التقى به بطريق الصدفة فرأى الإعياء الشديد بالغ على وجهه و جسمه الضعيف تهاوى تحت ضربات الوجع و المتاعب و الألم. عثر به و هو في طريق عودته من زيارة لأحد أصدقائه فحاول مساعدته و لكن القطار كان قد فات أوانه, لم تعد المعونة تنفع و لا النجدة تفيد لأن كلّ شيء جاء متأخراً و متأخراً جداً. كانت منه كلمات تلفّظ بها و هو واقع تحت تأثير التعب البالغ و الحزن الشديد: لم أعدْ أتمنى شيئاً ففي الوقت الذي كنت فيه بأمس الحاجة إلى مثل هذا السؤال و هذه المعونة مضى منذ سنوات طويلة.. لم يعدْ يفيد أيُّ شيء. و كانت آخر كلمات من الذي قاله بوجع مؤلم و خيبة أمل مريرة:”تعبتُ… أريدُ أنْ أرتاحَ” ثمّ أسلم روحه و أغمض عينيه إلى الأبد لتنتهي تلك المعاناة الرهيبة التي عاشها ذلك الفقير المسكين المشرّد, فهل لو تسنّت لك فرصة أن تمدّ له أو لمثله يد عون أو مساعدة مهما كانت قليلة لفعلت ذلك؟ إن أيّة مساعدة لمثل هؤلاء الناس تكون أفضل من لا شيء. لقد سمعتُ بهذه القصة اليوم و أنا أسوق السيارة في طريقي إلى بلدة تبعد أربعين كم عن موضع عملي و هي حقيقيّة حصلت قبل أيّام في أحد مناطق ألمانيا, فبكيت و تألمت و اشتعل قلبي ناراً عليه و أنا أتصوّر تلك السنوات, بل الأيام, بل الدقائق التي عاشها في كل تلك المحنة دون أن يعمل أحد ممن شاهده و التقى به بمقولة المسيح أو حاول أن يضحي بقليل من ماله أو وقته أو جهده.
   فيا أخي العزيز أيّها الإنسان, أينما كنت, و ما كان دينك أو قوميتك أو عقيدتك, هل ستترك شخصاً آخر في أيّ مكان من العالم يموت كما مات هذا المسكين و هو يعلن بتوجّع أنه اكتفى من أوجاع هذا العالم و شبع منها و آن له أن يرحل و يرتاح بهذه الطريقة المأساوية؟ حاول أن تفكّر بذلك و لو للحظات…
 
بقلم: فؤاد زاديكه
أعجبك هذا؟ أنشر الخبر

بواسطة fouadzadieke